رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى


في الوقت الذي تخوض فيه الدولة المصرية معركة شرسة لتعزيز مواردها من النقد الأجنبي، وتجتهد لدمج كافة الأصول المالية داخل القنوات الرسمية، تبرز على السطح ممارسات مصرفية مثيرة للتساؤل بل وربما الريبة. فبينما يُفترض بالقطاع المصرفي أن يكون "المغناطيس" الذي يجذب المدخرات العملة الصعبة الكامنة المكتنزة تحت البلاطة، يشكو بعض عملاء البنوك من عدم جاذبية العروض التي تقدمها افرع بعض البنوك لأصحاب الودائع الدولارية.


وقد لاحظت تكرار رفض من عدة بنوك (حكومية وخاصة وأجنبية) لطلب عملاء منحهم تمويلات بالعملة المحلية بضمان أوعيتهم الإدخارية الدولارية، مع السداد بالجنيه المصري. هذا الرفض يتستر أحياناً خلف ذريعة "مخاطر تغير سعر العملة". وهنا يجب التأكيد على أن هذه الحجة واهية تماماً؛ فإدارة مخاطر الصرف هي صلب العمل الائتماني، وهي عقبة يمكن تجاوزها ببساطة بمعرفة المحترفين في مجال هندسة المنتجات المصرفية الذين يصممون ويخططون تلك المنتجات بحرفية بما يمتلكونه من الأدوات الفنية لوضع آليات تحوط دقيقة، مثل تحديد نسب وشروط توازن بين مصالح البنك ومصالح العملاء، بدلاً من الهروب نحو الحل الأسهل وهو "رفض" التمويل أو الإقراض بضمان الأوعية الإدخارية الدولارية وهو تصرف غير مهني إن كان فرديا، وسياسة غير مهنية إن كان بتعليمات مركزية داخل البنك خوفا من المسئولية والخسارة في حالة تغير سعر الصرف. 
 


إن المنطق الاقتصادي السليم، (خاصة مع وصول سعر الدولار لمستويات الـ 53 جنيهاً خلال الأيام الماضية)، يفرض أن تكون الإغراءات والمزايا الممنوحة لأصحاب المدخرات الدولارية أكبر وأكثر جاذبية من تلك الممنوحة لأصحاب المدخرات بالعملة المحلية للحاجة الشديدة للعملة الصعبة من جانب الدولة ومجتمع المال والأعمال خاصة في ظل أزمة الديون وأعبائها.  ونحن أمام ضرورة قصوى لجذب تلك "المدخرات الدولارية المكتنزة" التي يحوزها البعض بالملايين خارج النظام الرسمي (تحت البلاطة)، أو التي قد تجد طريقها للهروب خارج البلاد.

ويتطلب ذلك تحركاً في مسارين متوازيين؛ المسار الأول هو إعادة النظر في معدلات الفائدة على الودائع الدولارية لتصبح منافسة ومغرية إن كان ذلك جائزا من وجهة نظر الخبراء، والنسار الثاني (وهو الأهم) هو التوسع في المزايا الممنوحة لأصحاب الودائع الدولارية بأنواعها مثل التمويل بالعملة المصرية بضمان تلك الأوعية الدولارية (وكذلك المرابحات والتمويل العقاري وتمويل شراء سيارات وغيرها من الامتيازات بحيث تكون أكثر جاذبية من  مثيلاتها الممنوحة لاصحاب المدخرات بالعملة المحلية. إن غياب هذه الرؤية يرسل رسائل سلبية تدفع أصحاب رؤوس الأموال للإحجام عن إيداع أموالهم، وتركها لتدور في شرايين الاقتصاد الموازي غير الرسمي أو إيداعها في مصارف أجنبية خارج البلاد.


أمام هذا السلوك المصرفي الغريب، لابد من تدخل من البنك المركزي المصري لإلزام البنوك بتقديم حوافز وامتيازات حقيقية لأصحاب الأوعية الادخارية بالعملة الصعبة. إن هذا التحرك هو السبيل الوحيد للقضاء على السوق السوداء وتعظيم السيولة الدولارية داخل النظام المصرفي، خاصة في ظل العجز المتزايد في الميزان التجاري، وفاتورة الاستيراد المتضخمة، وأعباء القروض التي تلتزم الدولة بسدادها وفق جدول زمني ضاغط لا يحتمل الرفاهية أو التباطؤ البيروقراطي.


إن تذبذب سعر الصرف لا يجب أن يتحول إلى "شماعة" لتعطيل أدوات ائتمانية حيوية يمكنها زيادة اجتذاب العملة الصعبة للبنوك. هذا المشهد يطرح تساؤلاً مشروعاً : هل نحن أمام "فوبيا المسئولية" التي تصيب بعض الموظفين والمسئولين عموما، وفي البنوك خصوصا في هذا المثال، وذلك خوفاً من تقلبات سعر الجنيه في سوق العملة؟ .... أم أن هناك من يحارب توجهات الدولة في الخفاء عبر خفض المزايا الجاذبة مما يؤدي إلي تطفيش المدخرات الدولارية في مسارات أخري خارج القطاع المصرفي بل وربما خارج البلاد تماما، وهو ما يناقض اهداف الدولة وسياسة البنك المركزي، وكل ذلك يصب في صالح من يحارب الاقتصاد المصري بوسائل متعددة من بينها خفض السيولة بالعملة الصعبة، وبالتالي زيادة العجز في الميزان التجاري وما ينتج عنه من تداعيات اكبر.

إن الاستقرار الحقيقي لسعر الصرف يبدأ ببناء جسور الثقة. إننا بحاجة إلى وقفة تصحيحية لضمان ألا تتحول البنوك إلى "عامل طرد" للعملة الصعبة. يجب أن تتحول الوديعة الدولارية من "رقم جامد" في الخزائن المنزلية إلى "محرك للتنمية" عبر الائتمان والمزايا التفضيلية، لضمان بقائها داخل شرايين الإقتصاد الوطني بدلاً من تسربها للخارج أو للأسواق غير الرسمية.


سياسي ونقابي 
والمستشار الأسبق لوزير البيئة