يأتي قرار إخلاء معارض السيارات من قلب المناطق السكنية كخطوة منطقية ومطلوبة في مسار تحسين نوعية الحياة في المدن والأحياء القديمة ومواجهة الاختلالات التي تراكمت عبر عقود سابقة. إن هذا الإجراء يعد بمثابة حلقة مكملة لقرارات وإجراءات سابقة نجحت في تفريغ المدن والأحياء جزئيا من بعض الأنشطة التي كانت تشكل عبئاً بيئياً وأمنياً كبيراً، مثل تجربة نقل المدابغ من سور مجرى العيون والورش الحرفية والمسابك من قلب القاهرة، وهو ما يمهد لخطوات لاحقة تهدف لإعادة تأهيل المدن القديمة؛ لتكتسب تدريجياً بعض ملامح المدن الحديثة ذات التنظيم الجيد التي تميز الأجيال الأحدث من المدن الجديدة.
إن استعادة "سكينة السكن" وحق المواطن في رصيف آمن، يتطلب استكمال هذه المسيرة عبر صياغة استراتيجية شاملة لإعادة توزيع الأنشطة التجارية والخدمية والحرفية في المدن القديمة، وفق عدة مستويات يمكن صياغة أهمها بصيغة مبدئية قابلة للمراجعة والتطوير على النحو التالي:
المستوى الأول: الأنشطة الخدمية الهادئة (داخل النسيج السكني)
ويقترح أن تقتصر الأنشطة أسفل البنايات السكنية على الأنشطة "صديقة البيئة" التي لا تنتج ضوضاء أو تلوثاً، مثل الصيدليات، ومحال التجزئة الصغيرة، والمكتبات وغيرها من المحال التجارية والخدمية الخفيفة الغير مقلقة للراحة وذات أحمال تلوث بيئي وضوضائي ومروري شبه منعدم، وهي أنشطة لازمة لتوفير الاحتياجات اليومية سيراً على الأقدام، دون المساس براحة وخصوصية السكان.
المستوى الثاني : المجمعات المتخصصة للأنشطة المقلقة للراحة في كل منطقة أو مربع سكني مثل المطاعم والكافيهات والمخابز والحرف الخفيفة ومعارض السيارات وغيرها لما تسببه من أدخنة وروائح وضجيج مستمر أو أحمال مرورية ملموسة، والحل الفني هنا هو تجميع هذه الأنشطة في عدة مجمعات خدمية متخصصة موزعة في نطاق كل حي أو منطقة وقطاع جغرافي مع مراعاة منطقة عازلة عن المربعات السكنية المجاورة لها ومراعاة استيعاب واحتواء الاحمال المرورية المرتبطة بهذه بالمجمعات.
المستوى الثالث : المدن التخصصية المخططة مثل المناطق الصناعية (خارج النطاق العمراني)
أما الأنشطة التحاريلخدمية والحرفية والتجارية التي تشكل ضوضاء أو أحمال بيئية أو مرورية كبيرة (مثل المولات التجارية المبري، الورش الميكانيكية والكهربائية، وإصلاح السيارات، والحدادة، والنجارة الكبرى، والمخازن الضخمة وغيرها من الأنشطة المقلقة للراحة) فلا بديل عن نقلها بالكامل إلى مناطق مخططة علي غرار المولات التجارية و والمجمعات الحرفية، مستلهمين الدروس من تجارب مصر الناجحة في إنشاء البدائل المطورة مثل مدينة الروبيكي للجلود، ومدينة الحرفيين وغيرها من المناطق التخصصية التي وفرت مساحات واسعة ومرافق حديثة، مما أزاح عن الأحياء مشكلات الضوضاء والزحام والحرائق والتلوث ورفع كفاءة النشاط الاقتصادي.
"مثلث النجاح" : البدائل والحوافز والرقابة
ولضمان نجاح واستدامة هذا التوجه العمراني الاصلاحي ولضمان سرعة تنفيذه، يجب أن تقترن إجراءات الإخلاء بحزمة من الحوافز الإيجابية والسلبية لدفع أصحاب الأعمال للتجاوب الفعال مع هذا التوجه من بينها علي سبيل المثال توفير المرافق كاملة وتسهيلات في سداد قيم الوحدات البديلة أو فترات سماح إيجارية، وتيسير إجراءات التراخيص في المجمعات الجديدة، ربط هذه المجمعات بشبكات نقل ومرافق قوية تضمن سهولة الوصول لها من جانب العملاء المحتملين.
ولضمان سرعة التنفيذ وتخفيف الأحمال التمويلية عن الدولة، فيمكن إشراك القطاع الخاص في تنفيذ هذه المشروعات بحيث يتضمن الصفقة الوحدات القديمة والوحدات البديلة الجديدة في مقابل نسب من عوائد هذه المشروعات.
إن الهدف من هذه "الإجراءات العمرانية التنظيمية" ليس التضييق على الأنشطة التجارية، بل وضعها في إطارها الصحيح الذي يضمن لها الاستدامة، ويضمن للمواطن حقه الطبيعي في بيئة سكنية هادئة ومنظمة ومستدامة. إن اكتمال هذه اللوحة العمرانية هو السبيل الوحيد لإعادة الرونق لمدننا واحيائنا العتيقة ومواكبة معايير نوعية الحياة والتخطيط العمراني الحديثة في تلك المناطق العتيقة.
سياسي ونقابي - والمستشار الأسبق لوزير البيئة