رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

على مدار عقود، وتحديداً منذ ما قبل تسعينيات القرن الماضي بقليل، ساد اتجاه عام في إدارة ملف "شركات قطاع الأعمال العام" يرتكز على فكرة التخلص من الشركات التي وُصفت بالخاسرة عبر "مقصلة البيع" أو التصفية كحل جاهز، دون النظر في عمق الأسباب التي أدت إلى تعثر هذه القلاع. واليوم، يبرز نموذج "سيماف" (مصنع المهمات السكك الحديدية) وشركة النصر للسيارات ليفرض نموذجاً مغايراً يثبت خطأ تلك السياسات التي سادت إدارة ملف قطاع الأعمال العام منذ ذلك التوقيت وحتي ماقبل التحول النسبي مؤخراً. فهذه التجارب (سيماف والنصر للسيارات) توضح كيف يمكن تحويل شركات خاسرة من أطلال صناعية متهالكة إلى مجمع ذكي يضاهي المعايير العالمية، بفضل ضخ استثمارات ضخمة لتحديث خطوط الإنتاج وتوطين تلك التكنولوجيات الأحدث بالشراكة مع عمالقة دوليين، مما سيرفع نسبة المكون المحلي ويوقف نزيف العملة الصعبة عبر تفعيل حقيقي لسياسة "إحلال الواردات".


إن ما تعرض له القطاع العام من تراجع لم يكن نتاج تآكل زمني طبيعي، بل كان نتاج سوء إدارة، بل و"تخريب ممنهج" سعى لتحويل قلاع الإنتاج إلى جثث هامدة تمهيداً لبيعها بأبخس الأثمان، متناسين أن هذا القطاع كان "ظهير الدولة" في حرب أكتوبر المجيدة بدعم  المجهود الحربي بالأسلحة والذخائر وتأمين الجبهة الداخلية. واليوم، نرى بعثاً جديداً لهذا الفكر في "شركة النصر لصناعة السيارات"، التي عادت للحياة بعد سنوات من التصفية، لتتحول بقرار إرادي إلى مركز لصناعة الأتوبيسات والسيارات الكهربائية، لتثبت أن "الإحياء" هو السبيل الوحيد لتقليل الاعتماد على الخارج وتوطين الصناعة الوطنية.


وهذا النجاح لتلك التجارب مؤخرا (والتي ينبغي تعميمها مستقبلا أن شاء الله) يفتح الجرح من جديد حول قلاع استسلمنا في الماضي لقرار إعدامها أو تحجيمها لضعف الفكر أو لمصالح أخري للبعض، مثل "حديد وصلب حلوان" التي كان يمكن تحديثها بدلاً من تصفيتها، وشركة "النصر للمراجل البخارية" التي فُرط في تكنولوجيتها النادرة لصالح مشروعات عقارية، وصولاً إلى شركة "راكتا" للورق بالإسكندرية، التي عانت من إهمال متعمد لماكيناتها بدلاً من إعادتها للمنافسة.

ولا تنسي أيضا تجربة تصحيحية أخري في طريقها للنجاح هي الأخري وهي تجربة التحول في إدارة ملف شركة "عمر أفندي"؛ فبعد سنوات من عثرات الخصخصة، تشهد الشركة حالياً منذ (2024-2025) توجهاً لتعظيم عوائد أصولها غير المستغلة عبر إضافة "النشاط الفندقي والسياحي" لأغراضها، وتحويل فروعها التاريخية العريقة إلى فنادق تحت إدارة احترافية، وهو مسار يهدف لصون الأصول وتطوير هوية الشركة لتناسب متطلبات العصر، وٱن كام هذا لا ينبغي أن يغمض أعيننا عن ضرورة الحفاظ علي دور هذه الشركة وشركات أخري مثيلة في النشاط التجاري لمستلزمات الأسرة والبيت المصري من ملابس وأجهزة منزلية وأثاث وغيرها بأسعار زهيدة تناسب مستوي معيشة السواد ةلأعظم من المصريين في ظل سيطرة القطاع الخاص علي تجارة التجزئة بهوامش ربح عالية لتتناسب أغلب الأسر المصرية حاليا وهو فراغ لم تتمكن بعد اي شركة عامة من ملئه وهو ما يقتضي الحفاظ علي هذه الشركة من أجله بل والتوسع فيه.  


إن حماية الأصول الوطنية وتفعيل سياسة إحلال الواردات تتطلب تبني حزمة حلول متكاملة، من بينها الشراكة مع القطاع الخاص ومع بيوت الخبرة المحلية والعالمية للمشاركة والتطوير، فضلا عن البدائل الأخري مثل فصل الملكية عن الإدارة عبر الاحتفاظ بملكية الدولة للأصول مع منح حق الإدارة لشركات متخصصة، مدعومة بمسار التحديث لتوطين التكنولوجيا العالمية. ويتوازى ذلك مع الاندماج مع شركات ناجحة أن أمكن، أو دمج المصانع المتعثرة في سلاسل إمداد متكاملة.

ولا ينبغي أن يفوتنا في هذا المعرض الاسترشاد بالتجارب العالمية، مثل النموذج الصيني في حوكمة الشركات الحكومية، أو تجربة "تيماسيك" السنغافورية في إدارة الأصول بمنطق استثماري، وكذا النموذج الألماني في الشراكة التي تضمن السيادة الوطنية والشفافية.

إن النجاح الملفت في تجربة "سيماف" وعودة "النصر للسيارات" وإستغلال الأصول المعطلة في عمر أفندي سياحيا هي كلها إرهاصات نهج جديد طالب به الكثير من المخلصين والخبراء لعقود طويلة دون سميع أو مجيب، وهو ما يقتضي ضرورة إعادة النظر في كافة المخرجات التاريخية لملف ادارة خصخصة وتصفية قطاع الأعمال العام لاكتشاف وتصحيح ما تراكم من أخطاء تاريخية تسببت في إهدار بعض أصول الدولة.  كما يمثل هذا النجاح رسالة مفادها أن وجود إدارة وطنية مخلصة، تضع إحلال الواردات وتعميق التصنيع المحلي نصب عينيها، كفيل بتحويل "العبء التاريخي" إلى "ذراع إنتاجية" تولد الدخل القومي وتحمي الأصول وتخفض عجز الميزان التجاري وتحمي القرار الوطني وتدعم الاستقلال الاقتصادي والتنمية المستدامة.

 

سياسي ونقابي والمستشار الأسبق لوزير البيئة