في ظل السباق التكنولوجي العالمي المحموم، لم يعد من المناسب أن تبدأ الصناعة في أي دولة من الصفر، بل أصبح لزاماً أن تعتمد على مبدأ "تراكم المعرفة". ومن هنا تبرز الهندسة العكسية (Reverse Engineering) ليس كطريقة للتقليد، بل كأداة استراتيجية ومنهج علمي متطور تتبناه الدول النامية الطموحة التي تسعى لتقليص الفجوة التكنولوجية في أقصر وقت ممكن، ولتبدأ من حيث انتهى الآخرون.
وتبدأ الهندسة العكسية حيث تنتهي عمليات التصنيع التقليدية؛ إذ يمكن اعتبارها بمثابة "استنطاق" للمنتج النهائي لمعرفة أسراره؛ كيف صُمم؟ وما هي المواد المستخدمة فيه؟ وكيف تعمل أجزاؤه معاً؟ وذلك عبر استخدام أدوات متطورة مثل الماسحات الضوئية ثلاثية الأبعاد وبرامج التصميم بمساعدة الحاسب، حيث يتم تحويل المكونات المادية للمنتج إلى تصميمات هندسية يمكن إعادة تصنيعها محلياً. وتمنح الهندسة العكسية المهندسين فرصة "تشريح" التكنولوجيا العالمية وفهم فلسفتها التصميمية، وبالتالي تنمي قدرتهم على ابتكار نماذج هندسية جديدة من بنات أفكارهم، ليتحولوا تدريجياً من خانة التقليد إلى طور الابتكار والإبداع اللامحدود.
وتواجه الصناعة في العالم العربي تحدياً مزدوجاً يتمثل في الاعتماد الكبير على الاستيراد، وما يسببه ذلك من ضغط على الميزان التجاري للدول وصعوبات في توفير العملة الصعبة، وهي العملة اللازمة بدورها لتوفير المعدات الرأسمالية وخطوط الإنتاج، وما يمثله ذلك كله من تبعية اقتصادية وتكنولوجية. وهنا تلعب الهندسة العكسية دور "المنقذ"، علاوة على حرق المراحل واختصار الزمن اللازم لتحقيق النهضة التكنولوجية، فضلاً عن كونها إحدى أدوات تفعيل سياسة إحلال الواردات، والتي ترمي إلى تصنيع بعض الواردات الهامة التي تختارها الدولة لتكون ذات أولوية في خطط التنمية الصناعية؛ حيث تتحدد تلك الأولويات وفق معايير يحددها الخبراء للمفاضلة بين القطاعات المرشحة للتوطين كصناعات أولى بالرعاية. ومن بين تلك المعايير: معيار الميزان التجاري، واعتبارات الأمن القومي (العسكري، أو الغذائي، أو الدوائي، أو الصحي، أو الطاقوي)، واعتبارات الاستقلال الاقتصادي وتأمين استدامة سلاسل الإمداد (supply chain) في قطاعات الدولة الحيوية.
وعلى صعيد بناء الكوادر الهندسية المتميزة، فإن الهندسة العكسية تلعب دوراً مهماً في بناء فرق عمل تتراكم لديها الخبرات التصميمية والإبداعية تدريجياً عبر العقود، لتكون أساساً بشرياً لقاعدة صناعية وتكنولوجية متنامية، تتحول يوماً ما إلى منافس محتمل في الأسواق العالمية.
وفي حالة مصر بالتحديد، فإن تطبيق معايير المفاضلة يجعل الأولوية لقطاعات مثل صناعة السلاح (بسبب التوترات الإقليمية)، وقطاع الدواء (لارتفاع تكلفته في فاتورة الدولة والأسرة وضغوط الاحتكارات العالمية)، وقطاع الأمن الغذائي (نظراً للفجوة بين الموارد والاحتياجات، واستخدام الغذاء كأداة ضغط)، وقطاعات الطاقة والمياه (نظراً لاستخدامها أيضاً في إطار المساومات السياسية والاستراتيجية).
يضاف إلى ذلك الصناعات التي تقوم على استغلال الموارد والخامات المحلية لتعظيم القيمة المضافة بدلاً من تصديرها كخامات أولية (مثل الذهب والرخام والأقطان والمعادن)، وكذلك محاولة امتلاك تكنولوجيا الصناعات الاستخراجية في المجالات الهامة، بدلاً من الاعتماد الكلي على الشركاء الأجانب في عمليات التنقيب والمعالجة.
كما تُعد الصناعات اللازمة لإنتاج مستلزمات البنية التحتية من الضرورات لخفض تكلفة مشروعات البنية الأساسية واختصار الزمن اللازم لإنجازها، مثل إنتاج مستلزمات شبكات المياه والصرف (مواسير، طلمبات وغيرها). كما تبرز صناعات استراتيجية أخرى كصناعة السيارات والتي ينشأ حولها صناعات مغذية تحقق تكاملاً صناعياً وبالتالي قيمة مضافة عالية.
ورغم كل ما أسلفت، فإن تحديد الأولويات الصناعية ينبغي أن يقوم على دراسة متعمقة لفرق عمل متكاملة التخصصات، تشمل الهندسة الصناعية، الأمن القومي، الاقتصاد الكلي والجزئي، واقتصاديات العلوم والتكنولوجيا والبحث العلمي والزراعة، حتى تكون هذه السياسة مبنية على أسس علمية رصينة، لتأتي الهندسة العكسية كأداة استراتيجية تخدم المسارات التنفيذية لهذه الرؤية التي نتمنى صياغتها عما قريب.