لم يعد التغير المناخي مجرد قضية بيئية حيوية يتم مناقشتها في الأوساط العلمية، بل بات يمثل اليوم ما يطلق عليه "مضاعف المخاطر" (Risk Multiplier)؛ ويعني ذلك أن التغير المناخي يتفاعل مع المشاكل القائمة بالفعل في الدول ليزيد من حدتها وخطورتها، ولا يكتفي بتدمير النظم الإيكولوجية، بل يتغلغل ليعيد رسم بعض الخرائط السياسية وإعادة صياغة علاقات دولية، بل ويغذي توترات سياسية لتدخل في طور نزاعات ساخنة تهدد السلم والأمن على المستويين القطري والأممي.
**أولاً: الصراع على الموارد الطبيعية
تتسبب التغيرات المناخية في ندرة الموارد الاقتصادية والتأثير السلبي على التنوع البيولوجي حول العالم، مما يحولها من موارد طبيعية إلى فتيل نزاعات وصراعات إقليمية ودولية للتوتر، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
1- حروب المياه:
حيث تبرز الخلافات بين دول المنبع والمصب كأحد أخطر التحديات، كما نرى في أزمات حوض النيل. ومع وجود أكثر من 260 نهراً عابراً للحدود تتقاسمها 145 دولة، فإن احتمالية الصدام تزداد مع كل انخفاض في منسوب المياه.
2- **صراع القطب الشمالي:** مع ذوبان الجليد، تظهر ممرات ملاحية ومناطق تنقيب بكر، مما أشعل سباقاً سياسياً محموماً بين القوى الكبرى (روسيا، أمريكا، كندا) لفرض السيادة على هذه الكنوز الجديدة.
**ثانياً: الهجرة المناخية
تتوقع تقارير البنك الدولي وصول عدد "لاجئي المناخ" إلى حوالي 200 مليون شخص بحلول عام 2050. هذا النزوح ليس مجرد مأساة إنسانية، بل هو زلزال يتسبب في متغيرات سياسية لا يستهان بها، من بينها صعود اليمين؛ إذ قد يؤدي تدفق المهاجرين إلى زيادة الضغوط على الدول المضيفة، مما يغذي الحركات القومية واليمينية ويغير موازين القوى الحزبية في بعض الدول المستقبلة للمهاجرين الفقراء بكثافة مثل دول الاتحاد الأوروبي. كما نتوقع زيادة الهجرة الداخلية في بعض الدول من المناطق المتضررة من الجفاف والتصحر إلى مناطق أخرى، مما قد يخلق ضغطاً هائلاً على البنية التحتية في المناطق الجديدة، وقد يؤدي إلى توترات اجتماعية واقتصادية تهدد بدورها الأنظمة السياسية.
**ثالثاً: تآكل السيادة واختفاء دول
ومن عجائب التغيرات المناخية أنها قد تتسبب في محو جزر ودول بأكملها من على الخريطة، وهو ما يعد أمراً نادراً في التاريخ الإنساني، ويرجع ذلك إلى ارتفاع منسوب البحار، مما يضع المجتمع الدولي في مواجهة موقف فريد يتمثل في شعب بلا أرض أو سيادة.
**رابعاً: أزمة شرعية
لا شك أن عجز الحكومات عن توفير أبسط مقومات الحياة أو الاستجابة للكوارث الطبيعية المتكررة سيؤدي إلى تآكل ثقة المواطن في الدولة وفي "العقد الاجتماعي" الذي بنيت عليه، مما يؤدي تدريجياً إلى انهيار المؤسسات وقد يؤدي إلى سقوط أنظمة.
**خامساً: إعادة صياغة خريطة الطاقة العالمية**
إن التحول نحو "الاقتصاد الأخضر" ليس تكنولوجياً فحسب، بل هو إعادة توزيع للنفوذ العالمي، حيث سيتراجع تدريجياً عصر النفط، وبالتالي سيتراجع النفوذ التقليدي للدول النفطية لصالح قوى جديدة تمتلك تكنولوجيا الطاقة الجديدة والمتجددة، وكذلك الدول التي لديها احتياطيات كبيرة من "معادن المستقبل" التي تستخدم في تصنيع تلك التكنولوجيات. وقد نشأ سباق للاستثمار في الطاقة الجديدة والمتجددة تجاوز حاجز 1.3 تريليون دولار، وبات التحكم في تكنولوجيا الطاقة النظيفة هو أحد المعايير الجديدة للقوة الشاملة لبعض الدول.
واستناداً على كل ما سبق وغيره من الحيثيات، يمكننا القول بأن التغير المناخي قد ارتقى بمفهوم "الأمن القومي" من النطاق العسكري الضيق إلى مستوى أكثر تعقيداً، ومن ثم فإن الدول التي لن تتكيف سياسياً مع هذه المتغيرات قد تواجه خطر التفكك أو صراعاً مستداماً متفاقماً، وقد يؤدي إلى انهيار أو اختفاء دول وانقسام أخريات.
سياسي ونقابي
المستشار الأسبق لوزير البيئة