من الإغلاق الموسمي إلى منصة القضاء.. دعوى تضع القيود الرمضانية تحت الاختبار القانوني
في قضية تفتح أبواب الجدل القانوني والمجتمعي، تتجه الأنظار إلى مجلس الدولة، حيث تنظر محكمة القضاء الإداري دعوى تطالب بإلغاء القيود المفروضة على بيع المشروبات الكحولية وإغلاق البارات والملاهي الليلية ومنع الحفلات الغنائية والراقصة خلال شهر رمضان والمناسبات الدينية، في مواجهة قانونية تطرح تساؤلات حول مشروعية هذه القيود وحدود سلطة الإدارة في تنظيم الأنشطة التجارية والترفيهية.
وقررت الدائرة الأولى للحقوق والحريات بمحكمة القضاء الإداري حجز الدعوى للحكم بجلسة 28 نوفمبر المقبل، في قضية تعيد إلى الواجهة النقاش حول التوازن بين خصوصية المناسبات الدينية وضمانات الحقوق والحريات، ومدى توافق القرارات الإدارية المنظمة للأنشطة التجارية والترفيهية مع أحكام الدستور والقانون.
تفاصيل الدعوى وأبرز مطالبها
أقام المحامي هاني سامح الدعوى رقم 41877 لسنة 79 قضائية، ضد رئيس مجلس الوزراء ووزيري السياحة والداخلية، مطالبًا بإلغاء القرارات والتعليمات الإدارية التي تفرض قيودًا موسمية على المنشآت السياحية والترفيهية خلال شهر رمضان والمناسبات الدينية.
واستندت الدعوى، بحسب ما أورده مقيمها، إلى أن هذه القيود تخالف الدستور والقانون، وتؤثر سلبًا على الاستثمار السياحي وحقوق العاملين بالقطاع، فضلًا عن تأثيرها على القدرة التنافسية للقاهرة مقارنة بمدن سياحية أخرى، من بينها دبي وإسطنبول وكوالالمبور.
وشهدت الجلسة تقديم مذكرة دفاع تعقيبية على تقرير هيئة مفوضي الدولة، الذي أوصى بقبول الدعوى شكلًا ورفضها موضوعًا، استنادًا إلى اعتبارات دينية واجتماعية، وحماية النظام العام والآداب العامة.
28 نوفمبر.. الموعد المرتقب للفصل في القضية
يطرح النزاع تساؤلات قانونية حول مشروعية القيود المفروضة على الأنشطة التجارية والترفيهية خلال المناسبات الدينية، والأساس القانوني الذي تستند إليه، ومدى اتساقها مع القواعد الدستورية المنظمة للحريات العامة، فضلًا عن حق الدولة في تنظيم الأنشطة التجارية والترفيهية بما يراعي النظام العام وطبيعة المناسبات الدينية.
ولا يعني قرار حجز الدعوى للحكم أن المحكمة أصدرت حكمها بالفعل أو أن اتجاهها أصبح محسومًا، إذ تظل الكلمة النهائية لما تنتهي إليه المحكمة في ضوء أوراق الدعوى والدفوع المقدمة والأسانيد القانونية التي تستند إليها الأطراف.
وتكمن أهمية القضية في أن الحكم المرتقب قد تكون له انعكاسات على النقاش القانوني بشأن طبيعة القيود الإدارية وحدود تطبيقها، وفقًا لمنطوق الحكم وأسبابه ونطاقه، دون افتراض نتائج لم تصدر بعد.
بين خصوصية المناسبات الدينية وضمانات الحقوق والحريات
يرى مؤيدو القيود المرتبطة بشهر رمضان والمناسبات الدينية أن للمجتمع خصوصيته الثقافية والدينية، وأن تنظيم الأنشطة التجارية والترفيهية خلال هذه الفترات يمكن أن يكون جزءًا من مراعاة الطابع العام للمناسبة.
وفي المقابل، يثير المطالبون بإلغاء هذه القيود تساؤلات حول مدى قانونيتها، ومدى جواز فرضها على المصريين بصورة عامة، والأساس الذي تستند إليه، وما إذا كانت تحقق غرضًا مشروعًا بوسائل متناسبة مع الحقوق والحريات التي يكفلها الدستور والقانون.
وبين هذين المنظورين، لا ينبغي اختزال القضية في صراع بين الدين والحرية، إذ تتمثل المسألة القانونية الأساسية في تحديد طبيعة القيد، والجهة التي أصدرته، وسنده القانوني، ونطاق سريانه، ومدى خضوعه للرقابة القضائية.
وتأتي أهمية نظر الدعوى أمام محكمة القضاء الإداري من الدور الذي تضطلع به في مراقبة مشروعية القرارات الإدارية، والفصل في المنازعات الداخلة في اختصاصها.
ويظل الفيصل في هذه القضية هو مدى قوة الأسانيد القانونية، ومدى توافق القيود محل الطعن مع الدستور والقانون، وحدود السلطة الإدارية في تنظيم الأنشطة العامة والخاصة.
كما أن الحديث عن الآثار العملية للحكم يجب أن ينتظر صدوره والاطلاع على منطوقه وأسبابه، حتى لا تتحول التوقعات إلى أحكام مسبقة على قضية لا تزال منظورة أمام القضاء.
المستشار محمود عطية: حرية النشاط التجاري ليست حقًا مطلقًا
من جانبه، قال المستشار محمود عطية، المحامي بالنقض ومنسق ائتلاف مصر فوق الجميع، إن تأجيل دعوى إلغاء حظر بيع الخمور خلال شهر رمضان والمناسبات الدينية يفتح الباب أمام نقاش يتجاوز مجرد إجراء تنظيمي أو نشاط تجاري، ليصل إلى جوهر احترام هوية المجتمع المصري وثوابته الدينية وقيمه الأخلاقية.
وأكد عطية أن طرح هذا الأمر من الأساس يثير، من وجهة نظره، تساؤلات مشروعة حول مدى مراعاة الخصوصية الدينية للمجتمع، واحترام مشاعر ملايين المصريين الذين يرون في شهر رمضان والمناسبات الدينية أوقاتًا للعبادة والتقوى وتعظيم الشعائر.
وأضاف أن حرية النشاط التجاري ليست حقًا مطلقًا بمعزل عن اعتبارات النظام العام والآداب العامة ومقومات المجتمع، بل يجب أن تمارس في إطار يحفظ التوازن بين الحقوق الفردية والمصلحة العامة.
وأشار إلى أن أحكام الشريعة الإسلامية وقيمها تمثل مرجعية أصيلة في وجدان المجتمع المصري، وينبغي مراعاتها عند مناقشة القضايا التي تمس شعائره ومناسباته الدينية.
وأكد المنسق العام لائتلاف مصر فوق الجميع أن القضية، من وجهة نظره، لا تتعلق بالتضييق على أحد، وإنما باحترام هوية وطن ومشاعر شعب، وصون قيمه وثوابته التي لا ينبغي أن تتحول إلى محل مساومة تحت أي ذريعة.
الكلمة الأخيرة للقضاء
تبقى جلسة 28 نوفمبر محطة مهمة في مسار الدعوى، ليس لأن نتيجتها محسومة سلفًا، بل لأنها تعيد إلى الواجهة سؤالًا جوهريًا في دولة القانون: كيف يمكن تحقيق التوازن بين احترام المناسبات الدينية، وتنظيم الأنشطة التجارية والترفيهية، وصون الحقوق والحريات في إطار الدستور؟
فالقانون هو المرجعية، والقضاء هو الفيصل، والحكم المنتظر وحده هو الذي سيحدد الموقف القضائي من القيود المطعون عليها، في حدود ما تقضي به المحكمة وأسباب حكمها.
إنها لحظة اختبار لحجج القانون، لا لضجيج الجدل؛ فالكلمة الأخيرة للقضاء، والحسم يكون بالأسانيد الدستورية والقانونية، لا بالانطباعات أو الأحكام المسبقة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض







