رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
علاء العطار
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
علاء العطار

لم تعد المواجهة بين واشنطن وطهران محصورة في القوة العسكرية وتبادل الضربات الصاروخية، فالحروب الكبرى لا تُحسم دائماً في ميادين القتال، وإنما تمتد إلى خرائط النفوذ والتحالفات والمصالح الاقتصادية والسياسية. وفي الشرق الأوسط تلوح ملامح مرحلة جديدة تتجاوز المواجهة المباشرة نحو إعادة تشكيل موازين القوى داخل الدول المرتبطة بالصراع الإيراني الأمريكي.

في هذا المشهد يبرز العراق باعتباره إحدى أهم حلقات التحول الإقليمي، ليس فقط بسبب موقعه الجغرافي وثقله السياسي، وإنما لأنه يمثل نقطة التقاء بين النفوذ الإيراني والمصالح الأمريكية والتحركات التركية، فضلاً عن ارتباطه بالتطورات في سوريا ولبنان.

إن التحركات الدبلوماسية العراقية باتجاه دمشق وعمّان، وما يتردد عن انفتاح على بيروت، تطرح تساؤلات تتجاوز عناوين التعاون الاقتصادي. فهل نحن أمام محاولة عراقية لبناء منظومة إقليمية جديدة، أم أن بغداد تتحرك داخل ترتيبات دولية تستهدف إعادة توزيع النفوذ؟

من وحدة الجبهات إلى تفكيكها

لسنوات طويلة اعتمدت إيران على شبكة من العلاقات السياسية والعسكرية الممتدة خارج حدودها، وشكلت هذه الشبكة أحد أهم عناصر نفوذها الإقليمي. وقامت على تشابك سياسي واقتصادي وأمني جعل من العراق وسوريا ولبنان جبهات متداخلة في معادلة إقليمية واحدة.

لكن هذه المعادلة تواجه ضغوطاً متزايدة بفعل العقوبات الاقتصادية والتوترات العسكرية وأزمات الطاقة والممرات البحرية، خصوصاً مضيق هرمز وتأثير أي اضطراب فيه على صادرات النفط.

ومن هنا يمكن قراءة التحركات المضادة لفكرة وحدة الجبهات، من خلال إعادة ترتيب العلاقات داخل هذه الدول، بحيث تتحول الروابط الاقتصادية والسياسية إلى مداخل جديدة لإعادة توزيع النفوذ، وربما مراقبة شبكات المصالح والارتباطات القائمة واختراقها.

العراق بين طهران وواشنطن

يقف العراق في موقع بالغ الحساسية، فهو يرتبط بإيران بحدود جغرافية ومصالح اقتصادية وعلاقات سياسية وأمنية عميقة، وفي الوقت نفسه لا يستطيع تجاهل نفوذ الولايات المتحدة وتأثيرها في النظام المالي والعقوبات الدولية.

وتكمن المعضلة في أن بغداد مطالبة بتحقيق توازن صعب بين هذه المصالح المتعارضة. فأي محاولة لإعادة دمج الفصائل المسلحة في مؤسسات الدولة أو تقليص استقلالية قرارها العسكري تحتاج إلى معالجة سياسية واقتصادية معقدة، وليس مجرد ضغوط خارجية.

كما أن فتح مسارات اقتصادية جديدة بين العراق وسوريا ولبنان قد يخلق فرصاً للاستثمار والتبادل التجاري، لكنه قد يتحول أيضاً إلى وسيلة لإعادة بناء شبكات النفوذ أو مراقبتها أمنياً.

وهنا يبرز السؤال: هل يستطيع العراق التحول إلى مركز مستقل لصناعة التوازنات الإقليمية، أم سيظل ساحة لتصفية حسابات القوى الكبرى؟

تركيا وسوريا ولبنان

لا يمكن قراءة التحولات العراقية بمعزل عن سوريا ولبنان، فالدول الثلاث تشكل امتداداً جغرافياً وسياسياً واقتصادياً، وأي تغيير في موازين النفوذ داخل إحداها ستكون له انعكاسات على الأخريين.

في سوريا تتشابك المصالح التركية والأمريكية والإيرانية مع التوازنات الداخلية، بينما يظل لبنان نموذجاً واضحاً لتداخل الدولة مع مراكز النفوذ السياسي والعسكري والاقتصادي.

أما تركيا فتنظر إلى العراق وسوريا باعتبارهما جزءاً من مجالها الحيوي، وترتبط تحركاتها بحسابات الأمن القومي والحدود والطاقة والتجارة والملف الكردي. ولذلك لن تكون بعيدة عن أي ترتيبات إقليمية تستهدف إعادة توزيع النفوذ الإيراني.

وتبرز هنا أهمية التحركات الأمريكية ودور توم برّاك في الملفات الإقليمية، لكن اختزال المشهد في توجيه أمريكي واحد يتجاهل تعقيدات الصراع وتضارب حسابات واشنطن وأنقرة وطهران والعواصم العربية.

من يملك خرائط المستقبل؟

المسألة لم تعد مجرد خلاف على حدود النفوذ الإيراني، بل تتعلق بطبيعة النظام الإقليمي الذي يمكن أن يتشكل بعد سنوات من الحروب والتدخلات الخارجية.

فواشنطن قد ترى في إعادة ترتيب التحالفات السياسية والاقتصادية وسيلة لتقليص النفوذ الإيراني دون مواجهة عسكرية مفتوحة، بينما تحاول طهران الحفاظ على شبكة علاقاتها باعتبارها أحد عناصر الردع الاستراتيجي.

لكن الخطر الأكبر أن تتحول إعادة تشكيل المنطقة إلى مشروع لتفكيك المجتمعات من الداخل، وأن تصبح الانقسامات المذهبية أدوات لإدارة الصراع بالوكالة، بدلاً من أن تكون الدولة ومؤسساتها صاحبة القرار.

فالشرق الأوسط لا يحتاج إلى وحدة جبهات طائفية مضادة، ولا إلى محاور جديدة تتغذى على الانقسامات القديمة، وإنما يحتاج إلى دول تمتلك قرارها وسيادتها.

إن المعركة الحقيقية لم تعد فقط على من يملك الصواريخ أو يتحكم في الممرات البحرية، بل على من يمتلك القدرة على إعادة رسم خرائط النفوذ والتحالفات. فالدول التي تتحول إلى ساحات لصراع الآخرين قد تجد نفسها خارج معادلة صناعة مستقبلها، مهما امتلكت من ثروات وأوراق قوة.

محمد سعد عبد اللطيف

كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية. ،،!!