رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

ساعات على التطبيق.. قانون الإجراءات عاصفة بدأت في البرلمان وتصل إلى المحاكم

بوابة الوفد الإلكترونية

لم تعد قضية قانون الإجراءات الجنائية الجديد مجرد معركة تشريعية انتهت بالتصويت والإصدار وإنما أصبحت اختبارًا حقيقيًا للعدالة المصرية بأكملها فبعد 76 عامًا من العمل بقانون الإجراءات الجنائية رقم 150 لسنة 1950 تستعد المحاكم والنيابات وأجهزة الضبط والمحامون اعتباراً من 1 أكتوبر 2026 للانتقال إلى قانون جديد رقم 174 لسنة 2025 ، يحمل قواعد وإجراءات مستحدثة تمس بصورة مباشرة حرية المواطن وحقوق المتهم وحق الدفاع وحرمة المسكن والحبس الاحتياطي ومسار التحقيق والمحاكمة والتقاضي الإلكتروني.

والخطير أن هذا التحول لم يكن هادئاً فقد دخل مشروع القانون واحدة من أكثر مراحله حساسية في 21 سبتمبر 2025 عندما أعاده الرئيس "السيسي" إلى مجلس النواب لإعادة بحث الاعتراضات على عدد من مواده بعد أن وردت مناشدات عديدة لإعادة النظر فيها، وكان جوهر الملاحظات متعلقا بالحوكمة والوضوح والواقعية وضمانات حرمة المسكن وحقوق المتهم وزيادة بدائل الحبس الاحتياطي وإزالة الصياغات التي قد تفتح الباب لتعدد التفسيرات أو مشكلات عند التطبيق، فضلًا عن ضرورة منح الجهات المعنية الوقت الكافي للاستعداد للآليات الجديدة، لم يكن ذلك اعتراضا على تطوير العدالة في حد ذاته وإنما كان تنبيها إلى أن القانون الذي يتعامل مع حرية الإنسان لا يحتمل غموضاً ولا يحتمل أن تسبق النصوص قدرة المنظومة على تنفيذها، ولذلك عاد المشروع إلى مجلس النواب لمراجعة مواده محل الاعتراض قبل أن يوافق المجلس على التعديلات في 16 أكتوبر 2025 ويصدر الرئيس القانون في 12 نوفمبر 2025 بعد معالجة أسباب الاعتراض.

ومن هنا تبدأ المرحلة الأصعب ،فالقانون الجديد يدخل المحاكم بعد أن استحدث أو نظم ملفات لم تكن بهذه الصورة في القانون السابق، مثل إجراءات منع السفر وترقب الوصول، والتعويض عن الحبس الاحتياطي وتخفيض مدده والتحقيق وتجديد الحبس ،والمحاكمة عن بعد وحماية الشهود والتعاون القضائي الدولي إلى جانب تعديلات واسعة في الإجراءات الجنائية...ليكن أكثر الملفات حساسية بالنسبة للمواطن تظل تلك التي تمس حريته ومسكنه ودفاعه فقد أعيد تنظيم حالات دخول المساكن على سبيل الاستثناء بصورة أكثر تحديداً.

كما عُززت ضمانات المتهم في بعض إجراءات الإيداع قبل الاستجواب ونُظمت حقوق الطعن والرقابة القضائية على هذه الإجراءات ،أما الحبس الاحتياطي فيبقى ملفا بالغ الحساسية، لأن وراء كل قرار حبس إنسانًا وأسرة وعملًا ودخلًا ومستقبلًا ينتظر صاحبه أن تحسم قضيته، فالقانون الجديد يتضمن بدائل للحبس الاحتياطي وتنظيما أكثر تفصيلًا لبعض إجراءاته،لكن القيمة الحقيقية لهذه الضمانات ستظهر عند التطبيق الفعلي لا بمجرد وجودها في النص ،وهنا تصطدم النصوص بالواقع ،فالمواطن لا يتعامل مع القانون داخل كتاب وإنما داخل قسم شرطة ونيابة ومحكمة ،وقد يعني أي ارتباك في إجراء أو إعلان أو نظام إلكتروني أو اختلاف في تفسير قاعدة جديدة مزيداً من الوقت والانتظار والتكاليف بالنسبة لمواطن يبحث أصلًا عن عدالة سريعة وواضحة،والأمر أكثر حساسية لأن القانون الجديد يعتمد في جانب منه على التحول الرقمي والتقاضي عن بعد والإعلانات الإلكترونية وهي خطوات يمكن أن تختصر الوقت والجهد إذا عملت بكفاءة لكنها في المقابل، تحتاج إلى بنية تكنولوجية مستقرة وتدريب كامل وحماية لبيانات المتقاضين، وعدم ترك المواطن أمام عطل تقني أو إجراء إلكتروني لا يعرف كيفية التعامل معه..ولهذا جاءت الفترة الممتدة بين صدور القانون في 12 نوفمبر 2025 وبدء نفاذه في 1 أكتوبر 2026 لتوفير الوقت أمام القضاة وأعضاء النيابة ومأموري الضبط والمحامين للإلمام بالقواعد الجديدة وإعداد المحاكم للآليات المستحدثة.

واليوم لم يعد الحديث عن الاستعداد نظريا فقد تحركت وزارة العدل بالفعل، ففي 17 أغسطس 2026 جرى استعراض الاستعدادات لتطبيق القانون، وفي 31 أغسطس 2026 أعلنت الوزارة استكمال تجهيز قاعات المحاكم والتقاضي عن بعد وتدريب القضاة والمحامين وأمناء السر، ثم أطلقت في 8 سبتمبر 2026 منصة خدمات المحامين تمهيداً للتفعيل الكامل لخدمات التقاضي الجنائي عن بعد مع بداية أكتوبر...وهنا يصبح السؤال الذي يفرض نفسه مع بقاء ساعات قليلة على بدء التطبيق: هل أصبحت المنظومة جاهزة بالفعل لاستقبال قانون يغير قواعد العمل الجنائي بعد أكثر من سبعة عقود؟  فالمطلوب ليس تخويف المواطن من القانون الجديد ولا رفض تطوير العدالة وإنما التأكد من أن التطوير لن يتحول إلى عبء جديد على المتقاضي ،وأن التكنولوجيا لن تصبح عائقا وأن النصوص لن تترك مجالاً لاختلافات تربك إجراءات العدالة وأن حقوق الدفاع والحريات ستظل حاضرة في كل خطوة

فما جرى في 21 سبتمبر 2025  الماضي عندما أعيد المشروع إلى البرلمان، كان رسالة واضحة بأن دقة النص وقابليته للتطبيق لا تقل أهمية عن إصداره وأن معالجة الثغرات قبل التنفيذ أكثر أمانًا من اكتشافها بعد أن تصبح واقعًا داخل المحاكم..والآن اقتربت لحظة الحقيقة، ففي الأول من أكتوبر 2026 ستغادر القضية قاعات البرلمان إلى ساحات العدالة وستتحول المواد من حبر على الورق، إلى إجراءات تمس حياة المواطنين مباشرة هناك فقط سيظهر الاختبار الحقيقي هل يحقق القانون عدالة أسرع وأكثر ضمانًا؟

هل تستطيع المحاكم والنيابات استيعاب المنظومة الجديدة دون ارتباك؟..وهل يجد المواطن أمامه قانونًا واضحًا وإجراءات ميسرة وضمانات حقيقية بدلًا من دوامة جديدة من التأخير والتعقيد؟، فهذه المرة لن تحسم المعركة المناقشات ولا البيانات.. وإنما سيحسمها التطبيق عندما يطرق المواطن باب المحكمة باحثا عن حقه وحريته وعدالة لا تحتمل التجربة وهو ما أكده عدد من الحقوقيون والبرلمانيون ومتخصصون في الشأن العام.

فقد أعلنت وزارة العدل عن استعداداتها لتطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد وأطلقت المنصة الرقمية للتقاضي الجنائي عن بُعد، فمنذ بدء تداول مشروع قانون الإجراءات الجنائية الجديد في أغسطس 2024 وحتى تصويت مجلس النواب بالموافقة عليه في أبريل 2025 ، استعدت الوزارة لبدء تطبيق القانون رقم 174 لسنة 2025، من خلال تنفيذ خطة متكاملة لضمان الجاهزية الفنية والبشرية واللوجستية لتطبيق القانون، من خلال تجهيز قاعات المحاكم ، وإطلاق منظومة التقاضي عن بُعد، وتدريب القضاة والمحامين وأمناء سر الجلسات على آليات العمل الجديدة  ،حتي مع بداية العام القضائي الجديد، وذلك لمنح الجهات القضائية والمحامين الوقت الكافي للإلمام بتعديلاته الجوهرية وتجهيز البنية التكنولوجية اللازمة.

وقد أجرى وزير العدل، جولة تفقدية بمقر محكمة القاهرة الجديدة، بحضور رؤساء محاكم الاستئناف على مستوى الجمهورية، وممثلي الشركات المنفذة للمنصة الرقمية والتدريب والتطوير التقني، لمتابعة الاستعدادات الجارية لتطبيق منظومة التقاضي الجنائي عن بُعد المستحدثة ،واستهل وزير العدل الجولة بافتتاح الدورة التدريبية الثالثة لتدريب المحامين بنقابة القاهرة الجديدة الفرعية على منظومة التقاضي الجنائي عن بُعد والتطبيق الإلكتروني الخاص بنظر القضايا أمام محاكم جنايات أول درجة، في إطار خطة الوزارة لتأهيل جميع أطراف منظومة العدالة قبل التطبيق الفعلي للمنظومة الجديدة التي تشمل تدريب جميع المحامين على مستوى الجمهورية من خلال النقابات الفرعية. 

وأكد وزير العدل في تصريح له: "أن الوزارة انتهت من إعداد وتجهيز قاعات المحاكم وقاعات التدريب اللازمة لتطبيق المنظومة، بالتنسيق مع محاكم الاستئناف ونقابة المحامين، بما يضمن توافر الجاهزية الفنية والبشرية واللوجستية المطلوبة ، مُشيرًا إلى أنه اعتبارًا من 5 سبتمبر الماضي بدأت وزارة العدل بتنظيم دورات تدريبية مكثفة على المنظومة المستحدثة بكافة محافظات الجمهورية، وتشمل أيضا قضاة محاكم جنايات أول درجة، كما أنه سيتم تدريب أمناء سر الجلسات، والمحامين بالنقابات الفرعية، وذلك على مستوى الجمهورية.

وفي السياق ذاته ، أطلق وزير العدل رسميًا عبر بوابة وزارة العدل الإلكترونية «المنصة الرقمية للتقاضي الجنائي عن بعد»، والمتضمنة «منصة خدمات المحامين» أمام محاكم جنايات أول درجة، والتي تمثل أحد المكونات الرئيسية لمنظومة التقاضي المستحدثة ،وتتيح المنصة للمحامين حضور جلسات المحاكمة عن بُعد، والحصول على صور رقمية معتمدة من ملفات الدعاوى دون الحاجة إلى الانتقال إلى المحكمة، مع إتاحة السداد الإلكتروني الفوري للرسوم، فضلًا عن إرسال قرارات محاكم جنايات أول درجة وإخطارات الجلسات إلى المحامين فور صدورها من خلال رسائل نصية (SMS).كما تتيح المنظومة حضور مختلف أطراف الدعوى عبر الوسائل الرقمية، ومن بينهم الشهود من الخبراء  والأطباء الشرعيين، وفقًا للقواعد والإجراءات المنظمة لذلك، بما يعزز كفاءة إجراءات التقاضي ويدعم سرعة إنجاز القضايا ،كما اطلع الوزير على عدد من مشروعات التحول الرقمي الأخرى بمحكمة القاهرة الجديدة، من بينها منظومة المطالبات القضائية الرقمية التي تتيح تسجيل المطالبات وسداد قيمتها إلكترونيًا، والاستعلام عن ممتلكات المدين باستخدام الرقم القومي واتخاذ الإجراءات القانونية بشأنها.وشدد وزير العدل على أهمية التدريب المستمر للقضاة وأعضاء الجهات والهيئات القضائية والمحامين والعاملين بالمحاكم، مؤكدا استمرار التنسيق والتعاون مع نقابة المحامين باعتبارها شريكًا أساسيا في إنجاح منظومة التقاضي المستحدثة والاستعداد لتطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد.

وقد أعلنت وزارة العدل عن الانتهاء الكامل من تدريب قضاة محاكم الجنايات، وأمناء سر الجلسات، والمحامين بدوائر محاكم استئناف (القاهرة والإسكندرية وطنطا وأسيوط)؛ للتدريب على المنظومة الرقمية المستحدثة للتقاضي عن بُعد، والتي تتضمن آليات ربط إلكتروني مشفر ومُؤمَّن لحضور الشهود ومناقشة الخبراء والأطباء الشرعيين عن بُعد، إلى جانب تفعيل منظومة تحويل الصوت إلى نص لميكنة وتدوين وقائع الجلسات بدقة.وتؤكد الوزارة  استمرار خطتها التدريبية والتوعوية المكثفة، والانتهاء من تدريب أمناء سر الجلسات بنطاق محاكم استئناف:المنصورة وبني سويف وقنا، بما يكفل الجاهزية الكاملة لكافة الدوائر القضائية على مستوى الجمهورية تزامناً مع بدء العمل بقانون الإجراءات الجنائية.

ومن جهه اخري بينما رحبت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية - ضمن ائتلاف واسع من المنظمات الحقوقية المصرية والدولية- بقرار رئيس الجمهورية المعلن في 21 سبتمبر 2025، معلناً رفض التوقيع على القانون وإعادته  لمجلس النواب "لبحث الاعتراضات" على عدد من مواده، فإنها تشدد على أن المجلس لديه  فرصة نادرة لإعادة النظر في فلسفة القانون الإجمالية، وليس فقط في تعديلات هنا وهناك لنصوص بعض المواد، وذلك في سبيل خلق توافق مجتمعي وسياسي حقيقي حول هذا القانون الذي يعتبر مكملًا للدستور والعمود الأساسي لمرفق العدالة الجنائية، وبخلاف التحليلات القانونية المفصلة التي أوضحت أوجه العوار والخطورة المختلفة في مشروع القانون حسب البيان المجمع لعدد من المنظمات الحقوقية، توكد أن هناك إجماع على أن مشكلته الرئيسية- حتى  وإن  احتوى على بعض المواد الإيجابية - أكبر من مجرد مادة قانونية تشوبها عيوب أو تنقصها ضمانات، بل  المشكلة في فلسفة القانون الحاكمة ذاتها، والتي يمكن اختصارها في رغبة سياسية وأمنية في ترسيخ وتقنين وتأبيد الأوضاع القائمة، بما فيها من انتهاكات ممنهجة وعيوب هيكلية عصفت على مدى الأعوام الماضية بمنظومة العدالة الجنائية في مصر وأهدرت حقوق المتقاضين، وخاصة المتهمين منهم، بجريمة جنائية.

وأضافت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية إن قانون الإجراءات الجنائية لا يُعنى فقط بتنظيم الأطر القانونية والإجرائية التي يعمل بداخلها القضاة ومؤسسات إنفاذ القانون، ولكنه معنى كذلك بضمان حقوق المتقاضين والمتهمين بجريمة جنائية أو المعرَّضين للمساءلة القانونية، بل إن أغلب مواد القانون، كأي قانون للإجراءات الجنائية، تدور في حقيقة الأمر حول تنظيم قواعد معاملة المواطن المتهم بجريمة لم تثبت إدانته بارتكابها بعد ، و من المنطقي إذن أن يكون الشاغل الرئيسي للمشرع عند التصدي لمهمة كتابة هذا القانون، هو كيفية تعزيز ضمانات المحاكمة العادلة وحماية حقوق المواطنين في كافة مراحل المحاكمة. 

لكن مشروع القانون كما أقره البرلمان في أبريل 2025 قام عمدا ، بعكس ذلك بالضبط علي حد قول المنظمه، فقلل من ضمانات المحاكمة العادلة وضاعف من صلاحيات سلطات التحقيق ومأموري الضبط القضائي على حساب المتهمين ودفاعهم، ضاربا عرض الحائط في عدد من مواده بمبدأ افتراض براءة المتهم حتى تثبت إدانته،  والذي يكاد يتوارى إلى حد الاختفاء في مشروع القانون ، وأن عند إقراره قبل 75 عامًا، كان قانون الإجراءات الجنائية وقت صدوره سنة 1950،  وقبل التعديلات المدخلة عليه بعد 1952، يُنظر إليه باعتباره تشريعا تقدميا يضاهي بل ويتفوق على نظرائه في بعض باقي دول العالم. ويؤكد الحقوقيون أنه من حق المصريين ألا يقبلوا أقل من ذلك في  قانون جديد يصدر بعد قرابة قرن ، ومن هنا فإن الدستور المصري الصادر عام 2014 يجب أن يكون هو الأرضية التي ينطلق منها المشروع ليضيف إليها  طبقات إضافية من  الحمايات الدستورية والضمانات القانونية، استنادًا إلى التطورات المتلاحقة في فقه القانون الجنائي، وفي الاتفاقيات والمعايير الدولية.

وطرحت المنظمه المصريه أربع مبادئ تعتبرها حاكمه لقانون الإجراءات الجنائية بحيث يجب أن تكون من دعائم هذا القانون ،وهم الفصل بين السلطات وتعزيز الرقابة المتبادلة بين المؤسسات القضائية ، وتكافؤ الفرص بين الادعاء  والمدعى عليهم، وقرينة البراءة والحق في المحاكمة خلال فترة زمنية معقولة، وإعادة التوازن الأصلي بين القاعدة والاستثناء.

ومن جهه أخري تستعد نقابة المحامين لبدء تطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 في الأول من أكتوبر 2026 وسط حالة من الترقب والاستعداد لتنفيذ الضمانات المستحدثة ، وجاء بيان نقابة المحامين المصرية حاداً بشأن  مطالبتها بإعادة مناقشة المادة (105) من قانون الإجراءات الجنائية ، وتؤكد النقابة أنها جزءٌ أصيل من البنية التشريعية والدستورية للدولة، ومرآةٌ صادقة تعكس ضمير المجتمع وعدالة قضاياه أن دورها الوطني والتاريخي يستند إلى الدفاع عن سيادة القانون وصون الحقوق والحريات العامة، بما يضمن ترسيخ دولة العدل والقانون في أبهى صورها ، وأن القانون يعد من أحد أهم التشريعات التي تنظم العدالة الجنائية في مصر، إذ يُجسِّد الضمانة الحقيقية للمواطن في مواجهة سلطة الاتهام، ويحفظ مبدأ التوازن بين حق المجتمع في العقاب وحق الفرد في الحرية والكرامة والعدالة الإجرائية.

وقد رحبت النقابة في وقتٍ سابق بمشروع القانون المقدم إلى مجلس النواب، لما تضمنه من توافقٍ كاملٍ مع المذكرة التفصيلية التي قدمتها النقابة للبرلمان، والتي تضمنت رؤية مهنية ودستورية متكاملة حازت تقدير أعضاء المجلس كافة، حتى أن البرلمان قد وجه الشكر للنقابة على موقفها الوطني وجهودها المخلصة في دعم مشروع القانون بروحٍ من التعاون والتكامل بين السلطات والمجتمع المدني.

إلا أنه وللأسف فقد انحرفت اللجنة المُشكَّلة علي حد قول بيان نقابة المحامين لإعادة مناقشة المواد الثمانية المقدمة من رئيس الجمهورية عن الغاية التي أرادها الرئيس من تلك التوجيهات، والتي كانت تهدف بوضوح إلى زيادة ضمانات المواطن وخلق بدائل أكثر إنسانية وعملية للحبس الاحتياطي ، إذ فوجئت النقابة بمناقشاتٍ ومقترحاتٍ لا تمتُّ بصلةٍ لهذه التوجيهات، بل تنال من جوهر الضمانات الدستورية وتنتقص من حقوق الدفاع وتُضعف من معايير المحاكمة العادلة.

وتؤكد نقابة المحامين على ضرورة احترام الحكومة والبرلمان للدستور والقانون والمواثيق الدولية التي التزمت بها الدولة المصرية، وعدم المساس بالحقوق والحريات التي كفلها الدستور وقررتها الاتفاقيات الدولية التي انضمت إليها مصر ، وإن ضمانات المحاكمة العادلة والحريات العامة والشرعية الإجرائية ليست ترفًا أو منحةً من أحد، بل هي ركائز أساسية للدول الحديثة، تُبنى عليها الثقة في مؤسسات العدالة ويُقاس بها مدى تقدم الأمم وتحضرها ، وبناءً عليه، أعلنت النقابة تمسُّكها التام بنص المادة (105) كما ورد في المذكرة المقدمة من النقابة إلى البرلمان، وترفض أي تعديلٍ أو إعادة صياغةٍ تمس جوهرها أو تُخل بتوازنها الدستوري الذي يضمن حماية حق الدفاع وصون الحرية الفردية ، وفي الختام، تؤكد النقابة أنها لن توافق ولن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي قانونٍ يخالف الدستور أو يهدم القواعد الدستورية المستقرة، وأنها ستتخذ كافة الإجراءات القانونية والدستورية اللازمة لمواجهة هذا العوار التشريعي، مع سلوك المسالك السياسية الواجبة والتوجه إلى فخامة رئيس الجمهورية بوصفه حامي الدستور، لوضع حدٍّ لما ترتكبه تلك اللجنة من تجاوزاتٍ تمس صورة العدالة وتؤثر سلبًا على مكانة مصر الدولية كدولة قانونٍ تحترم الدستور وتصون كرامة الإنسان.

أكد المستشار طاهر الخولي، وكيل لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية بمجلس النواب، أن منظومة العدالة المصرية تشهد تحولًا مسارعا مع التوسع في إدخال التكنولوجيا إلى إجراءات التقاضي، موضحاً أن التحول الرقمي لا يتعلق فقط باستحداث أدوات تقنية حديثة، لكنه يمثل إعادة تنظيم شاملة لآليات التحقيق والمحاكمة، بما يساعد على اختصار الوقت والجهد وتيسير الإجراءات أمام المحامين والمتقاضين.

وأوضح خلال تصريح له، أن نجاح التحول الرقمي في منظومة العدالة يرتبط بتحقيق التوازن بين الاستفادة من التطور التكنولوجي والحفاظ على الضمانات القانونية المقررة للمتهم وحقوق الدفاع، مؤكدًا أن تسريع إجراءات التقاضي يجب ألا يأتي بأي شكل على حساب حق المتهم في الحصول على محاكمة عادلة ومنصفة ، وأشار إلى أن قانون الإجراءات الجنائية الجديد يعكس توجهًا تشريعيًا لمواكبة التطورات التكنولوجية المتلاحقة ووسائل الاتصال الحديثة، لافتًا إلى أن الانتقال إلى التقاضي عن بُعد يتطلب بنية تكنولوجية متطورة وموثوقة، تستطيع دعم مختلف مراحل وإجراءات العملية القضائية.

ولفت وكيل لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية بمجلس النواب، إلى أن القانون يضع إطارًا منظمًا للاشتراك في المنصة الرقمية والاستفادة من الخدمات المرتبطة بها، مع تحديد رسوم للاشتراك، في حين تظل بعض الخدمات الأخرى مرتبطة بالطبيعة الاختيارية لها، وفقًا لما تقبله المحكمة والمحامي في حدود القانون. مشيراً أن إجراءات التقاضي في قضايا الجنايات والجنح تخضع للقواعد التي حددها القانون، بينما تتولى القرارات الصادرة عن وزير العدل تنظيم عدد من التفاصيل والإجراءات التنفيذية والآليات الخاصة بتطبيق المنظومة، مؤكدًا أن الإطار التشريعي الحاكم للتقاضي الرقمي يحدد القواعد المنظمة بصورة واضحة.

وفيما يتعلق بالمبالغ المستحقة مقابل خدمات التقاضي عن بُعد، شدد على أهمية التفرقة بين الرسوم القضائية والمقابل المالي للخدمات التي تقدمها الدولة، مضيفا أن تحديد الوصف القانوني لهذه المبالغ يعد أمرًا أساسيًا لمعرفة السند التشريعي اللازم لإقرارها وتنظيم تحصيلها.

وأضاف أن اعتبار المقابل المالي رسومًا قضائية يتطلب وجود نص قانوني صريح ينظمها، بينما يختلف الأمر إذا كان المبلغ يمثل مقابلًا لخدمة اختيارية تقدمها الدولة للمستفيدين، وهو ما يترتب عليه اختلاف في الأساس القانوني والإجراءات المنظمة له.

وأكد الخولي أن استخدام المنصة الرقمية، في الحالات التي تكون فيها الخدمة اختيارية، يمنح المحامي مساحة لاختيار الوسيلة التي تناسبه، سواء من خلال المشاركة عن بُعد أو الحضور بشكل مباشر أمام المحكمة، مشيرًا إلى أن الحالات التي يشترط فيها القانون وجود محامٍ للدفاع عن المتهم تظل خاضعة للضمانات القانونية المقررة، بما في ذلك ندب محامٍ للمتهم حال عدم وجود محامٍ يتولى الدفاع عنه.