من قلب البرلس إلى قمة القراءة العربية.. طفلة مصرية تمنح الكتاب صوتًا جديدًا، وتعيد إلينا الإيمان بأن المعرفة قادرة على تغييرالكتابة . طفلة مصرية تمنح الكتاب صوتًا جديدًا، وتعيد إلينا الإيمان بأن المعرفة قادرة على تغيير العالم . في عالمٍ تتزاحم فيه الصور على العيون، وتتسابق الشاشات على اقتناص انتباه الصغار، وتتحول الألعاب الإلكترونية إلى رفيق يومي يكاد لا يفارقهم، اختارت طفلة مصرية أن تسلك طريقًا مختلفًا؛ طريقًا يبدأ بصفحة من كتاب، ويمتد إلى آفاق لا تحدها حدود.
من مدينة برج البرلس بمحافظة كفر الشيخ، جاءت ميار محمد رجب عثمان، طفلة لم تتجاوز الحادية عشرة من عمرها، لتصنع حكاية استثنائية في الدورة العاشرة من «تحدي القراءة العربي»، بعدما حققت المركز الأول، متفوقةً على منافسين من مختلف أنحاء الوطن العربي، وتحمل اسم مصر إلى قمة واحدة من أكبر المبادرات العربية المعنية بتشجيع القراءة.
لم تكن ميار تبحث عن الأضواء حين فتحت صفحات الكتب، لكنها وجدت نفسها في قلب حدث يستحق أن تتوقف أمامه العقول والقلوب. فخلف هذا الإنجاز الصغير في عمر صاحبته، تكمن دلالة كبيرة: أن الكتاب لا يزال قادرًا على أن يجذب طفلًا، وأن المعرفة لم تفقد قدرتها على الإبهار، وأن الأحلام التي تبدأ في أماكن بعيدة عن صخب المدن الكبرى يمكن أن تبلغ أبعد المنصات.
إنها ليست حكاية فوز بمسابقة فحسب، بل حكاية طفلة اختارت أن تصنع من القراءة نافذة تطل منها على العالم، فإذا بها تفتح لنا نحن أيضًا نافذة نطل منها على معنى افتقدناه كثيرًا: قيمة أن نقرأ. حين لا تكون الكتب مجرد صفحات
ثمة فرق كبير بين طفل يقرأ لأنه مطالب بذلك، وطفل يقرأ لأنه اكتشف في الكتاب متعة لا تشبه أي متعة أخرى. الأول ينهي صفحات، أما الثاني فيفتح أمام نفسه عوالم جديدة، ويعود من كل رحلة معرفية بأسئلة أكثر، وخيال أوسع، ورؤية مختلفة للحياة.
وهنا تكمن القيمة الأعمق لتجربة ميار؛ فالقراءة ليست سباقًا في عدد الكتب، ولا استعراضًا للمعلومات وإنما رحلة تتشكل خلالها شخصية الإنسان . وتتسع قدرته على الفهم والتأمل والحوار.
فالكتاب يمنح الطفل أكثر من معرفة؛ يمنحه فرصة ليرى الحياة بعيون متعددة، وأن يعبر حدود المكان والزمان، وأن يلتقي بأفكار وتجارب لم يكن ليعرفها لولا تلك الصفحات التي يحملها بين يديه.
ومن برج البرلس، تثبت ميار أن الموهبة لا تسأل عن جغرافيا المكان، وأن الطريق إلى التميز لا يبدأ بالضرورة من عاصمة أو مؤسسة كبرى، بل قد يبدأ من بيت بسيط، ومن مكتبة صغيرة، ومن طفل وجد من يؤمن بشغفه ويمنحه فرصة للنمو. . حين تصبح الكلمة مسؤولية
لعل أجمل ما في إنجاز ميار أنه لا يدعونا إلى الاحتفال بها وحدها، بل يدعونا إلى مراجعة علاقتنا جميعًا بالقراءة. فنحن أمة ارتبطت بدايتها الحضارية بكلمة «اقرأ»، وجعلت من المعرفة طريقًا إلى النهوض، ومن العلم أساسًا لبناء الإنسان. ومع ذلك، أصبح الكتاب في حياة كثير من أطفالنا ضيفًا موسميًا، بينما تحولت الشاشات إلى عالم مفتوح يستحوذ على ساعاتهم وانتباههم . وليس المقصود أن نعادي التكنولوجيا أو نعزل أبناءنا عن عالمها، فهي جزء من واقعهم ومستقبلهم، وإنما أن نعيد التوازن إلى حياتهم، حتى لا يصبح تلقي الصور والمعلومات السريعة بديلًا عن التأمل والخيال والتفكير.إن الطفل لا يتعلم حب القراءة لأننا نطالبه بها، بل لأنه يراها جزءًا من حياة من حوله. حين يشاهد أبًا أو أمًا يحملان كتابًا، وحين يجد مكتبة صغيرة في بيته، وحين يُترك له المجال لاختيار ما يثير فضوله، يبدأ في اكتشاف أن القراءة ليست عقوبة مدرسية، بل متعة شخصية ومساحة حرة لاكتشاف الذات والعالم.
ولعلنا نحتاج إلى أن نتعلم من حكاية ميار أن غرس حب المعرفة لا يبدأ بخطاب طويل عن أهمية الثقافة، بل بخطوة بسيطة: أن نضع كتابًا في يد طفل، ونساعده على أن يحب ما بين دفتيه.
ميار.. إنجاز يتجاوز حدود التتويج إن وصول ميار عثمان إلى المركز الأول في تحدي القراءة العربي يستحق كل التقدير والاحتفاء، كما أن استقبال مدينتها برج البرلس لها بالتكريم يعكس اعتزاز المجتمع بإنجاز إحدى بناته.
لكن قيمة هذا الإنجاز الحقيقية لا ينبغي أن تنتهي عند منصة التتويج، ولا أن تظل صور التكريم هي آخر فصول الحكاية؛ فالأجمل أن تتحول ميار إلى مصدر إلهام لأطفال آخرين، وأن يصبح نجاحها بداية لاهتمام أكبر بالمواهب الصغيرة في مختلف أنحاء مصر.
نحتاج إلى مدارس تجعل المكتبة قلبًا نابضًا للحياة التعليمية، ومؤسسات ثقافية تقترب من الأطفال وتكتشف اهتماماتهم، وأسر تدرك أن بناء عقل الطفل لا يقل أهمية عن توفير احتياجاته المادية.
فليس مطلوبًا أن يصبح كل طفل بطلًا لمسابقة، أو أن يحمل ميدالية حتى نعتبره ناجحًا؛ يكفي أن نمنحه فرصة ليكتشف موهبته، وأن نساعده على أن يكون إنسانًا قادرًا على التفكير والاختيار والإبداع . شكرًا لميار عثمان؛ لأنها جعلتنا نتوقف أمام إنجاز يستحق الفخر، ولأنها ذكّرتنا بأن الاستثمار الحقيقي في الأوطان يبدأ من الإنسان، من عقله ووعيه وقدرته على الحلم. لقد جاءت ميار من البرلس تحمل كتابًا، لكنها وصلت إلينا برسالة أكبر من عمرها: أن المعرفة لا تزال طريقًا مفتوحًا، وأن الأجيال الجديدة قادرة على أن تفاجئنا حين نمنحها الثقة والفرصة.
[email protected]
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض