أسبوع القاهرة التاسع للمياه يفتح آفاق التعاون الدولي.. خبير: إعلان المبادئ بشأن سد النهضة ليس تنازلًا عن الحقوق
في ظل تصاعد التحديات المرتبطة بالأمن المائي، وتزايد الضغوط الناتجة عن تغير المناخ وندرة الموارد المائية وارتفاع الاحتياجات التنموية، بات التعاون الدولي والحوار الإقليمي ضرورة ملحة لضمان الاستخدام المستدام للمياه والحفاظ على حقوق الشعوب في مواردها الطبيعية.
ولم تعد قضية المياه مجرد ملف فني يرتبط بإدارة الموارد وتطوير البنية التحتية، بل أصبحت إحدى القضايا الاستراتيجية المؤثرة في الأمن القومي والاستقرار السياسي والاقتصادي، خاصة في المناطق التي تعتمد دولها على الأنهار المشتركة، وتتداخل فيها المصالح المائية مع اعتبارات التنمية والسيادة الوطنية.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية المؤتمرات الدولية التي تجمع صناع القرار والخبراء وممثلي المؤسسات المعنية بالمياه، لتبادل الخبرات ومناقشة الحلول الممكنة للتحديات الراهنة، وتعزيز الشراكات التي تدعم الإدارة الرشيدة للموارد المائية.
ويأتي انعقاد «أسبوع القاهرة التاسع للمياه» ليؤكد الدور المصري في دعم الحوار الدولي حول قضايا المياه، وفتح آفاق جديدة للتعاون الإقليمي والدولي، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى سياسات متوازنة تحقق التنمية المستدامة، وتدعم قدرة الدول على مواجهة الأزمات المائية المستقبلية.
وتتضاعف أهمية هذا الحدث في ظل استمرار ملف سد النهضة الإثيوبي في صدارة القضايا الاستراتيجية المرتبطة بالأمن المائي في منطقة حوض النيل، وما يثيره من نقاشات بشأن القواعد القانونية المنظمة لاستخدام الأنهار المشتركة، وضرورة التوصل إلى تفاهمات تضمن مراعاة مصالح الدول المعنية.
وبين التحركات الدبلوماسية والتمسك بالأطر القانونية، تتواصل الدعوات إلى تعزيز التعاون وتجنب الإجراءات الأحادية، بما يفتح المجال أمام حلول مستدامة تحفظ الحقوق وتحد من احتمالات التصعيد.
انطلاق أسبوع القاهرة التاسع للمياه بمشاركة دولية واسعة
وتحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، افتتحت وزارة الموارد المائية والري فعاليات المؤتمر الدولي «أسبوع القاهرة التاسع للمياه»، الذي يُعقد خلال الفترة من 25 إلى 29 أكتوبر، تحت عنوان «المياه حافزًا للسلام والازدهار المشترك وكوكب مستدام»، بمشاركة واسعة من المسؤولين والخبراء وممثلي المنظمات الدولية والإقليمية والمؤسسات البحثية والأكاديمية.
ويستهدف المؤتمر تعزيز التعاون الدولي وتبادل الخبرات بشأن إدارة الموارد المائية، ومناقشة الحلول المبتكرة للتحديات المرتبطة بندرة المياه وتغير المناخ، إلى جانب دعم الجهود الرامية إلى تحقيق الأمن المائي وتعزيز فرص التنمية المستدامة، في ظل تزايد الضغوط على الموارد الطبيعية وارتفاع الطلب على المياه في العديد من دول العالم.
20 وزيرًا و137 جلسة فنية وعلمية ضمن فعاليات المؤتمر
ويشهد أسبوع القاهرة التاسع للمياه مشاركة 20 وزيرًا و4 مبعوثين خاصين، إلى جانب 19 نائب وزير أو رئيس وفد، فضلًا عن عدد من رؤساء وممثلي المنظمات الدولية والإقليمية والمؤسسات البحثية والأكاديمية، بما يعكس اتساع نطاق المشاركة الدولية وأهمية المؤتمر باعتباره منصة للحوار حول مستقبل المياه والتنمية.
ويتضمن برنامج الأسبوع تنظيم 137 جلسة فنية وعلمية، بمشاركة عدد من المؤسسات والمنظمات الدولية، من بينها منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو»، والاتحاد الأوروبي، ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، والمعهد الدولي لإدارة المياه، والشبكة الإسلامية لتطوير وإدارة الموارد المائية، والوكالة الألمانية للتعاون الدولي، والمجلس العالمي للمياه.
وفي إطار توسيع الشراكات الدولية، انضم الاتحاد الأوروبي ومنظمة الفاو إلى فعاليات الأسبوع بصفة منظّمين مشاركين، بما يعزز فرص تبادل الخبرات والتنسيق بين الجهات المعنية بإدارة الموارد المائية، ويدعم مناقشة المبادرات التي تستهدف رفع كفاءة استخدام المياه، وتحسين الإدارة المستدامة للموارد، والتعامل مع التحديات المرتبطة بندرتها.
جلسات رفيعة المستوى
ويتضمن برنامج المؤتمر عددًا من الجلسات المهمة، من بينها جلسة تحضيرية أخيرة قبل مؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026، وجلسة متخصصة حول المياه الخضراء، إلى جانب جلسة بشأن بناء القدرات في إفريقيا والمنطقة العربية، تنظمها اليونسكو، بهدف دعم تبادل المعرفة وتعزيز الإمكانات الفنية والمؤسسية في مجال إدارة الموارد المائية.
كما يشهد الأسبوع انعقاد الندوة الدولية رفيعة المستوى السادسة حول أمن المياه، بالتعاون مع وزارة الموارد المائية الصينية والمجلس العالمي للمياه، لمناقشة القضايا المتعلقة بتأمين الموارد المائية، وتعزيز قدرة الدول على مواجهة التحديات المستقبلية، وتطوير آليات التعاون في ظل المتغيرات المناخية والاقتصادية المتسارعة.
وتنظم الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية جلسات تتناول الشراكات المائية الثنائية في حوض النيل، ودعم استراتيجية مرفق المياه الإفريقي للفترة 2026-2030، ورؤية وسياسة المياه الإفريقية 2063، بما يعكس الاهتمام بتعزيز التعاون بين دول القارة وتطوير آليات العمل المشترك في قطاع المياه.
إعلان المبادئ بشأن سد النهضة
وفي سياق متصل، أكد اللواء أركان حرب عبد الرحمن مهنا، خبير العلاقات الدولية ومحاضر القانون الدولي، أن التعامل المصري مع ملف سد النهضة يستند، وفق رؤيته، إلى مسارات قانونية ودبلوماسية تستهدف حماية المصالح الوطنية وعرض الموقف المصري أمام المجتمع الدولي، موضحًا أن إعلان المبادئ الموقع في مارس 2015 بين مصر والسودان وإثيوبيا يمثل إطارًا عامًا للمبادئ الحاكمة للعلاقة بين الدول الثلاث، ولا ينبغي تفسيره باعتباره تنازلًا عن الحقوق أو إقرارًا بشرعية الإجراءات الأحادية.
وأوضح مهنا، خلال لقائه مع الإعلامي نافع التراس ببرنامج «المواطن والمسؤول»، المذاع على قناة «الشمس»، أن إعلان المبادئ تضمن قواعد تتعلق بالتنمية المستدامة وحقوق الشعوب وحسن النية، إلى جانب آليات للتعاون في إدارة ملف السد، مشيرًا إلى أن الهدف من الاتفاق كان تنظيم العلاقة بين الدول المعنية والوصول إلى تفاهمات بشأن الجوانب الفنية والقانونية المرتبطة بالمشروع.
وأضاف أن التوصل إلى قواعد واضحة ومنظمة لملء السد وتشغيله يمثل أحد المحاور الأساسية للخلاف، معتبرًا أن تنفيذ عمليات الملء بصورة أحادية، دون التوصل إلى اتفاق ملزم بشأن القواعد المنظمة، يثير تساؤلات تتعلق بالتزامات الدول المعنية ومبادئ التعاون وحسن النية.
وشدد مهنا على أن التمسك بالمسارات القانونية والدبلوماسية يمنح مصر فرصة لعرض موقفها والاستناد إلى الاتفاقات والقواعد المنظمة لاستخدام الأنهار المشتركة، مؤكدًا أن معالجة النزاعات المائية المعقدة تتطلب استمرار التحرك السياسي والقانوني والصبر في متابعة الإجراءات، بدلًا من التعويل على حلول سريعة قد لا تضمن تسوية مستقرة.
النزاعات الدولية
وأشار خبير العلاقات الدولية إلى أن النزاعات المرتبطة بالموارد المائية والحدود قد تستغرق سنوات طويلة قبل الوصول إلى تسويات نهائية، مستشهدًا بقضية مشروع نهر الدانوب بين المجر وسلوفاكيا، التي تعود جذورها إلى عام 1989، وصدر بشأنها حكم محكمة العدل الدولية في أبريل 1997.
كما استعرض تجربة التحكيم الدولي بشأن طابا، التي بدأت إجراءاتها في ثمانينيات القرن الماضي، وانتهت بصدور الحكم عام 1988، ثم استكمال استعادة مصر للمنطقة عام 1989، باعتبارها مثالًا على أهمية الاستناد إلى الأدلة والوثائق والمسارات القانونية في تسوية النزاعات.
وأوضح مهنا أن هذه التجارب، وفقًا لرؤيته، تؤكد أن طول أمد الإجراءات القانونية لا يعني بالضرورة غياب النتائج، بل قد يتيح بناء موقف متماسك يستند إلى الحجج والأسانيد القانونية، ويساعد على الوصول إلى حلول أكثر استدامة.
واختتم بالتأكيد على أن التعامل مع ملف سد النهضة يتطلب استمرار الجهود الدبلوماسية والقانونية بالتوازي مع تعزيز قدرات الدولة في إدارة مواردها المائية وتنفيذ مشروعات التنمية، بما يسهم في حماية المصالح الوطنية والاستعداد للتحديات المستقبلية، في ظل أهمية المياه باعتبارها أحد المقومات الرئيسية للأمن القومي والاستقرار والتنمية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض







