رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

 

لم تكن مصر وإثيوبيا يومًا دولتين عابرتين في التاريخ الأفريقي ولم تكن علاقتهما وليدة أزمة سد النهضة ولا بدأت مع خلاف سياسي معاصر.

إنها علاقة تمتد إلى جذور التاريخ وإلى النيل وإلى الدين والثقافة وإلى الدور الذي لعبه البلدان في صياغة العمل الأفريقي المشترك.

وفي العصر الحديث أقامت مصر وإثيوبيا علاقات دبلوماسية رسمية عام 1927 وهي من أقدم العلاقات الدبلوماسية في القارة. كما كان البلدان من الدول المؤسسة لمنظمة الوحدة الأفريقية عام 1963 التي أصبحت لاحقًا الاتحاد الأفريقي.

وكانت مرحلة جمال عبد الناصر والإمبراطور هيلا سيلاسي واحدة من أهم مراحل العمل الأفريقي المشترك. فقد كان الرجلان جزءًا من جيل القادة الذين أدركوا أن استقلال أفريقيا لا يكتمل إلا بالتعاون بين دولها وأن القارة لا يمكن أن تتحول إلى ساحات نفوذ للقوى الخارجية.

وكان عبد الناصر من أبرز الداعمين لفكرة التضامن الأفريقي وحركات التحرر بينما أصبحت أديس أبابا في عهد هيلا سيلاسي أحد المراكز التاريخية للعمل الأفريقي ومنها خرجت منظمة الوحدة الأفريقية إلى الوجود. وتؤكد المصادر المصرية أن ناصر كان يرى التضامن الأفريقي باعتباره رابطة ومصلحة مشتركة بين شعوب القارة.

ولم يكن الرابط بين مصر وإثيوبيا سياسيًا فقط.

هناك رابط ديني وتاريخي عميق بين الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والكنيسة الإثيوبية الأرثوذكسية امتد لقرون طويلة فضلًا عن العلاقات العلمية والثقافية التي نشأت عبر الأزهر والطلاب القادمين من القرن الأفريقي.

أي أن بين البلدين إرثًا من العلاقات يتجاوز الحكومات والأنظمة.

ولهذا تحديدًا تبدو الأزمة الحالية مؤلمة أكثر.

من التعاون إلى أزمة سد النهضة

عندما بدأ مشروع سد النهضة عام 2011 لم يكن الموقف المصري قائمًا على رفض التنمية في إثيوبيا.

مصر أعلنت مرارًا اعترافها بحق الشعب الإثيوبي في التنمية وإنتاج الطاقة لكنها تمسكت في الوقت نفسه بحقها في حماية أمنها المائي وطالبت بأن تتم إدارة السد وفق قواعد واضحة ومتفق عليها بين الدول الثلاث.

وفي عام 2015 وقعت مصر وإثيوبيا والسودان إعلان مبادئ سد النهضة.

واللافت أن الوثيقة نفسها تتحدث عن التعاون وحسن النية والمصلحة المشتركة ومبادئ القانون الدولي وتبادل البيانات والتسوية السلمية للنزاعات. كما تنص على التعاون في الملء والتشغيل بما لا يسبب ضررًا ذي شأن للدول الأخرى.

ومن هنا يمكن فهم جوهر الموقف المصري:

القضية بالنسبة للقاهرة ليست رفض التنمية الإثيوبية وإنما رفض تحويل التنمية إلى أمر واقع على حساب مصالح دول المصب.

الدبلوماسية المصرية قوة لا تحتاج إلى صخب

على مدار سنوات الأزمة اختارت مصر مسارًا واضحًا:

التفاوض ثم التفاوض ثم اللجوء إلى المؤسسات الإقليمية والدولية عندما تتعثر المفاوضات.

وقدمت القاهرة رؤيتها في مجلس الأمن وتمسكت بإعلان المبادئ وبالقانون الدولي وبالحوار وبضرورة الوصول إلى قواعد ملزمة للملء والتشغيل.

وهنا تظهر نقطة تستحق التوقف:

احترام مصر للقانون الدولي لا يعني ضعفها، كما أن ضبط النفس لا يعني غياب القدرة على الرد.

الدولة القوية ليست بالضرورة الدولة التي ترفع صوتها أكثر وإنما الدولة التي تعرف متى تتحدث ومتى تفاوض ومتى تستخدم أدواتها السياسية والدبلوماسية ومتى تحمي مصالحها بكل الوسائل المشروعة التي يتيحها القانون.

وهذا هو الفارق بين إدارة الأزمة والانفعال بالأزمة.

إثيوبيا من خطاب التنمية إلى تصعيد سياسي أوسع

في السنوات الأخيرة لم تعد قضية السد وحدها هي مصدر التوتر.

فقد اتسعت الخلافات لتشمل ملفات القرن الأفريقي والبحر الأحمر والعلاقات الإثيوبية مع دول الجوار إلى جانب التوترات الداخلية الإثيوبية.

وفي الأول من أكتوبر 2026 أعلنت إثيوبيا طرد دبلوماسي مصري ومنحته 48 ساعة للمغادرة في خضم تصعيد إقليمي واسع. وردت القاهرة بالمثل فأعلنت دبلوماسيًا إثيوبيًا شخصًا غير مرغوب فيه ومنحته المهلة نفسها.

وهنا يجب أن نكون دقيقين:

ما حدث ليس مغادرة للبعثة المصرية بالكامل وإنما طرد دبلوماسي مصري ورد مصري بالمثل.

والاتحاد الأفريقي نفسه تدخل في المشهد داعيًا مصر وإثيوبيا وإريتريا إلى ضبط النفس والحفاظ على قنوات الاتصال وتسوية الخلافات عبر الحوار والقنوات الدبلوماسية.

ولكن ماذا يحدث داخل إثيوبيا؟

السؤال الأكثر أهمية ربما لا يتعلق بمصر وحدها.
إثيوبيا نفسها تمر بمرحلة داخلية شديدة التعقيد.
وتشير تقارير حديثة إلى تجدد القتال في شمال البلاد وتوترات مع قوى مرتبطة بإقليم تيغراي إلى جانب اضطرابات في مناطق أخرى فيما أصبحت علاقات أديس أبابا مع إريتريا أكثر توترًا.

وهنا يصبح من المشروع سياسيًا وإعلاميًا طرح سؤال وليس تقديم إجابة مسبقة:

هل أصبحت بعض ملفات السياسة الخارجية جزءًا من إدارة الصراع الداخلي الإثيوبي؟

أما القول إن رئيس الوزراء أبي أحمد "يُدار من الخارج" أو أن قراراته تأتي من جهات خارج إثيوبيا فيحتاج إلى أدلة محددة قبل تحويله إلى حقيقة صحفية.

لكن السؤال الأكبر يظل قائمًا:

من المستفيد من تحويل الخلاف المصري الإثيوبي إلى صراع إقليمي واسع؟

وهل مصلحة الشعب الإثيوبي فعلًا في استمرار القطيعة مع مصر أم أن مصلحته في دولة قوية مستقرة تستفيد من مواردها وتبني علاقاتها مع جيرانها على أساس المصالح المشتركة؟

مصر تعرف كيف ترد لكنها لا تستعجل الرد

ربما تكون هذه هي الرسالة الأهم في المشهد كله.

مصر دولة لها تاريخ طويل في إدارة الأزمات.

وقد أثبتت خلال أزمة سد النهضة أنها تستطيع أن تتحرك دبلوماسيًا وأن تحشد المواقف وأن تطرح القضية أمام المؤسسات الدولية وأن تبني علاقاتها الإقليمية والدولية دون أن تحول كل أزمة إلى مواجهة عسكرية.

لكن في الوقت نفسه لا ينبغي تفسير هذا المسار على أنه تنازل عن الحق أو غياب للقدرة.
هناك فارق بين:

الدبلوماسية الهادئة
و
العجز عن الرد.
وبين:
احترام القانون
و
قبول الأمر الواقع.
وبين:

الصبر الاستراتيجي
و
التخلي عن المصالح الوطنية.

ومصر في خطابها الرسمي تؤكد أنها تتحرك في إطار القانون الدولي والمواثيق الدولية بينما ردها الأخير على طرد الدبلوماسي الإثيوبي جاء وفق مبدأ المعاملة بالمثل.

هل يظن أحد أن سد النهضة هو خط بارليف جديد؟

هنا يصبح السؤال أكبر من السد نفسه.

هل يعتقد البعض أن إنشاء منشأة هندسية ضخمة يمكن أن يتحول إلى حصانة سياسية؟

هل يمكن أن يصبح السد ورقة تستخدم لفرض أمر واقع دائم؟

وهل يمكن أن تتحول الجغرافيا والمياه إلى وسيلة لإعادة رسم موازين القوى في المنطقة؟

التاريخ المصري يقول شيئًا آخر.

مصر لا تتعامل مع السد باعتباره مجرد منشأة هندسية ولا تتعامل مع أمنها المائي باعتباره ملفًا عابرًا.

وفي الوقت ذاته لا تحتاج مصر إلى إعلان كل ما تستطيع فعله.

ففي السياسة والاستراتيجية هناك فرق بين ما تعلنه الدولة وبين كل ما تملكه من أوراق.

وما تعلنه القاهرة حتى الآن واضح:

الحوار، القانون، الاتفاقات، والتفاوض.

أما ما بعد ذلك فتحدد ظروفه وتوقيته الدولة نفسها ولا تحتاج الدول إلى كشف كل أوراقها مسبقًا.

والسؤال الحقيقي: إلى أين؟

السؤال الآن ليس:

من انتصر في جولة إعلامية؟

ولا:

من رفع سقف التصريحات أكثر؟

السؤال الحقيقي:

هل تستطيع القاهرة وأديس أبابا العودة إلى التاريخ الذي جمعهما أم ستسمحان لأزمة واحدة بأن تهدم قرنًا من العلاقات؟

فمصر وإثيوبيا دولتان أفريقيتان كبيرتان وكانتا شريكتين في تأسيس منظمة الوحدة الأفريقية وبين شعبيهما تاريخ ديني وثقافي عميق.

ومن مصلحة البلدين أن تبقى الخلافات داخل إطار السياسة والقانون.

أما تحويل الخلاف إلى صراع مفتوح، فلن تكون كلفته على الحكومات وحدها وإنما على الشعبين والمنطقة والقارة الأفريقية بأكملها.

وقد جاء تحذير الاتحاد الأفريقي في هذه اللحظة تحديدًا ليؤكد ضرورة ضبط النفس والحفاظ على قنوات الاتصال والحوار.

وفي النهاية.

قد تبني الدول سدودًا وقد ترسم القوى خطوطًا، وقد تنشئ تحالفات وممرات وجسورًا ومشروعات.

لكن التاريخ أثبت أن ما يبقى ليس الحجر وحده وإنما إرادة الشعوب ومصالح الدول وقدرتها على حماية حقوقها وإدارة خلافاتها.

ولذلك فإن السؤال ليس هل تستطيع مصر الرد.

السؤال الأعمق هو:

هل تدرك إثيوبيا أن مصلحتها المستقبلية ليست في خصومة دائمة مع مصر وإنما في علاقة مستقرة مع دولة جارة وشقيقة لها وزنها في أفريقيا والمنطقة؟

فالتاريخ بين القاهرة وأديس أبابا أقدم من أي سد وأعمق من أي خلاف سياسي وأبقى من أي حكومة.

وقد تكون الجسور التي تبنيها الشعوب أبقى من السدود التي تبنيها الحكومات.

أما الأحلام السياسية التي تُبنى على فرض الأمر الواقع فقد تصمد فترة أمام السياسة لكنها لا تصمد إلى الأبد أمام التاريخ والجغرافيا وموازين المصالح.