دلالات زيارة محمد بن سلمان للقاهرة.. الأمن العربي أمام معادلة جديدة| تحليل
منذ الإعلان عن زيارة الأمير محمد بن سلمان، ولي عهد المملكة العربية السعودية ورئيس مجلس الوزراء، لمصر غدًا للقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي، فتح بابًا كبيرًا أمام مجموعة من الأسئلة، وهي بالطبع تتجاوز حدود العلاقات التاريخية بين البلدين التي تضرب بجذورها في عمق التاريخ، فمصر والسعودية أشقاء، كإنسان واحد في جسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، ولما لا والدولتان يجمعهما مصير مشترك.
زيارة استثنائية في توقيت شديد الحساسية
ويمكن تصنيف الزيارة بأنها من الأهم على الإطلاق، ليست كنظيرها من اللقاءات الخاطفة بين الزعيمين، خاصة في ظل منطقة تموج بالصراعات وأوقفت العالم أجمع على أطراف الأصابع، مما يستوجب تقاربًا ملحوظًا لتبادل الرؤى للنقاش حول ما يحدث في المنطقة، لتوحيد المواقف بشكل يرمي إلى إجهاض كافة المؤامرات التي من شأنها إذكاء الصراعات، وهو دور مصر المعلوم في إطفاء الحرائق المشتعلة في المنطقة لتثبيت أركان التهدئة بين الدول المختلفة، ودورها مشهود لها بالكفاءة والنزاهة في العديد من الصراعات السابقة.
من اليمن وباب المندب إلى هرمز.. ملفات تتجاوز حدود المنطقة
في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، تكون من أبرز الملفات المهمة التي ستناقش خلال اللقاء، تبدأ من اليمن وباب المندب والبحر الأحمر، إلى الخليج ومضيق هرمز، وما يرتبط بذلك من تهديدات لحركة التجارة والطاقة، فضلًا عن تطورات القضية الفلسطينية والسودان وسوريا والصومال، ورغم أهمية النقاش، إلا أن الأهمية الحقيقية للزيارة لا تكمن فقط في الملفات التي ستوضع على الطاولة، ولكن في طبيعة اللحظة التي تجتمع فيها القاهرة والرياض، فالدولتان تواجهان واقعًا إقليميًا تغيرت فيه قواعد الأمن التقليدية.
قواعد الأمن تتغير.. والصراعات تتجاوز حدود الدول
فاليوم كما نطالع جميعًا، الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة والجماعات الإرهابية تقوم بعمليات من شأنها التأثير في أمن الدول الكبيرة، كما باتت الممرات البحرية نفسها جزءًا من أدوات الصراع والضغط السياسي والاقتصادي، وهو ما يستوجب أن تنتقل مصر والسعودية من إدارة الأزمات إلى إعادة بناء معادلة أمن إقليمي جديدة.
باب المندب وقناة السويس.. تقاطع المصالح المصرية السعودية
السعودية تنظر إلى باب المندب باعتباره جزءًا من منظومتها الأمنية والاقتصادية، خصوصًا أن استقرار البحر الأحمر يرتبط بأمن سواحلها الغربية وحركة صادراتها ووارداتها، بينما تنظر مصر إلى الممر ذاته من زاوية مختلفة، لكنها لا تقل أهمية، وهي قناة السويس، وهنا تتقاطع المصالح بصورة مباشرة، فالسفينة التي تتعرض للخطر في جنوب البحر الأحمر قد تكون في طريقها إلى قناة السويس، والاضطراب الذي يبدأ عند باب المندب يمكن أن ينتهي بتغيير مسارات التجارة العالمية، وما يعنيه ذلك من تأثير في إيرادات قناة السويس والاقتصاد المصري.
هرمز وباب المندب.. عقدتان استراتيجيتان في قلب الأزمة
ولتتضح الرؤية بهدوء، القضية ليست أن مصر تريد الدخول في أزمة اليمن، ولكن في حقيقة الأمر الأزمة نفسها تقترب من المصالح المصرية كلما اقترب خطرها من حركة الملاحة، وهذه نقطة مهمة لفهم الموقف المصري، فباب المندب وهرمز ليسا مجرد مضيقين جغرافيين، ويعتبران عقدتين استراتيجيتين تتحرك من خلالهما أجزاء مهمة من التجارة والطاقة العالمية، ولذلك فإن اضطراب أحدهما يمثل أزمة، أما تزامن الضغوط على الاثنين فيفتح الباب أمام سيناريو مختلف تمامًا، تصبح فيه المشكلة مرتبطة بإعادة رسم طرق التجارة والطاقة، وليس مجرد تأمين سفن مهددة.
السعودية بين ضغط الشرق والغرب
ولو تحدثنا عن السعودية، فإن هرمز بالنسبة لها يرتبط مباشرة بالبيئة الأمنية الخليجية وتجارة الطاقة، بينما يرتبط باب المندب بالبحر الأحمر والساحل الغربي للمملكة، وإذا تعرضت المساحتان لضغوط متزامنة، فإن الرياض ستواجه معادلة أمنية صعبة، وهو ضغط في الشرق وآخر في الغرب.
أما مصر، فإن المعادلة تبدو معكوسة تقريبًا، إذ يرتبط أمن البحر الأحمر مباشرة بأمن قناة السويس، ومن ثم فإن أي تحول طويل الأمد في مسارات التجارة يمكن أن يحمل تكلفة اقتصادية واستراتيجية على القاهرة، ولهذا فإن القاهرة والرياض لا تنظران إلى المضيقين بالطريقة نفسها، لكنهما تلتقيان عند النتيجة النهائية، استمرار اضطراب الممرات البحرية يهدد مصالح الدولتين معًا.
الحوثيون.. جزء من معادلة أكبر
ويمكن القول إن التركيز على الحوثيين وحدهم قد يؤدي إلى قراءة ناقصة للمشهد، فالحوثيون يمثلون أحد أطراف المعادلة، لكن الخطر الأكبر بالنسبة إلى الدول العربية هو تحول البحر الأحمر إلى ساحة صراع إقليمي مفتوحة، بحيث تصبح الجماعات المسلحة جزءًا من شبكة أوسع لتبادل الرسائل والضغوط بين القوى الإقليمية، وهنا تصبح المسألة أكبر من اليمن، فإذا أصبح البحر الأحمر مساحة تستخدم فيها الصراعات الإقليمية لإيصال الرسائل، فإن استقرار الملاحة سيظل مهددًا حتى مع تراجع حدة المواجهة في جبهة معينة، لأن أدوات الصراع نفسها أصبحت متعددة وموزعة على أكثر من ساحة.
مصر.. الموقع والثقل والقدرة السياسية
ولهذا فإن أي معالجة مصرية سعودية جادة للملف لن يكون هدفها فقط حماية السفن، ولكن منع تثبيت واقع جديد تصبح فيه الممرات البحرية رهينة للتوازنات العسكرية بين أطراف الصراع، خاصة أن القيمة المصرية الأكبر في هذه اللحظة تكمن في ثلاثة عناصر متكاملة، الموقع، والثقل، والقدرة السياسية، فمصر تمتلك موقعًا يجعلها طرفًا أصيلًا في معادلة البحر الأحمر، وتمتلك ثقلًا عسكريًا وسياسيًا لا يمكن تجاهله في أي ترتيبات عربية، كما أن لديها خبرة طويلة في التعامل مع الملفات الإقليمية المعقدة.
من تحمل كلفة الاضطراب إلى صياغة قواعد أمن البحر الأحمر.. ماذا بعد؟
الدور المصري الأكثر فاعلية سيكون سياسيًا واستراتيجيًا يساعد على منع اتساع الصراع، بالتوازي مع بناء ترتيبات لحماية الملاحة، وهذا في حد ذاته يفتح بابًا مهمًا أمام القاهرة، أن تتحول من دولة تتحمل كلفة اضطراب البحر الأحمر إلى دولة تشارك في صياغة قواعد أمنه، ولا يمكن تجاهل حقيقة أن الدول العربية تبدو أمام حاجة متزايدة إلى امتلاك قدرات ذاتية أكبر، وإلى بناء شبكات دفاع وتنسيق عربية، وهذه النقطة قد تكون من أهم دوافع التقارب المصري السعودي في المرحلة المقبلة.
الخلاصة
المطلوب ليس فقط أن تتفق الدولتان على أن باب المندب خطر، وإنما أن تحددا ماذا ستفعلان إذا استمر الخطر، وكيف ستتعاونان في حماية البحر الأحمر، وكيف ستتعاملان مع تداعيات هرمز، وكيف ستمنعان انتقال الصراع إلى ساحات جديدة، وكيف يمكن توسيع دائرة التنسيق العربي، وما الدور الذي يمكن أن تؤديه مصر في أي منظومة أمنية إقليمية مقبلة.
وبالتأكيد المرحلة المقبلة تحتاج إلى مظلة عربية أكثر تماسكًا، تبدأ من القاهرة والرياض، ولا تنتهي عندهما، وتقوم على القوة الاقتصادية، والتنسيق السياسي، وتأمين الممرات البحرية، والأهم من ذلك وجود إرادة سياسية تجعل الأمن العربي مسؤولية عربية مشتركة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض



