رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

زاوية حرة

من المفارقات العجيبة أن تتحول العلاقات بين الدول إلى وصلة من الردح السياسي بسبب قضية واحدة، وهي السد الإثيوبي، فكلما ابتعد الحديث عن المفاوضات، التي توقفت من جانب مصر منذ فترة طويلة، بعدما لم تجد الدولة جدية حقيقية من الجانب الإثيوبي في حسم نقاط الخلاف بما يحقق التنمية المزعومة التي طالما صدّع رؤوسنا بها آبي أحمد ورفاقه، خرج علينا الجانب الإثيوبي بالصياح ليل نهار عن ضرورة العودة إلى المفاوضات، وكأن مصر هي التي تعطلها أو تقف في طريق التنمية الإثيوبية، حتى طالعنا أخيرًا مقطوعة ثقيلة الدم من وزير المياه والطاقة الإثيوبي، هابتامو إيتيفا، يقول فيها إن تدفق مياه النيل باتجاه دول المصب سيكون تحت سيطرة بلاده، وهنا يحق لنا أن نسأل: «هل أصبحت مياه النهر ملكية خاصة لأديس أبابا، حتى تتعامل معها باعتبارها ورقة يمكن التحكم فيها كيفما تشاء؟!».

وبعيدًا عن الهرطقات الإثيوبية، فإن هذه التصريحات غير مقبولة، وأثارت حالة من الغضب في الأوساط المصرية، لا سيما أن الرعونة كانت من الجانب الإثيوبي، وكثيرًا ما تنصلت أديس أبابا من التوقيع على اتفاق قانوني ملزم، لتخرج علينا بالحديث أيضًا عن بناء ثلاثة سدود، هي «ماندويا» و«كرادوبي» و«بيكو آبو»، وتقع جميعها في مناطق أعلى من موقع السد الإثيوبي، بما يمنح إثيوبيا قدرة أكبر على السيطرة على مياه النيل الأزرق، ويزيد من المخاوف لدى دولتي المصب، مصر والسودان، خاصة في ظل غياب اتفاق قانوني واضح ينظم قواعد الملء والتشغيل والتعامل مع فترات الجفاف، وهو ما يجعل التصريحات الإثيوبية الأخيرة أكثر استفزازًا وخطورة.

وهنا، هل يظن الجانب الإثيوبي أن الحِلم المصري يعني أننا في موطن ضعف؟ واهمون أنتم ومن خلفكم، فمصر، بقدر ما يتسع بالها، لديها كل السيناريوهات للتعامل مع فكرة فرض الأمر الواقع، وليرجع كل منا إلى التاريخ، وليعد التفكير من يشغلكم كعرائس الماريونت إلى دراسة جينات هذا الشعب الأبي شديد البأس، الذي إذا تعرض أمنه القومي للخطر، لا يرى أمامه سوى استرداد حقوقه، وبالوسيلة التي تفرضها الظروف، لذا فإن العنجهية الفارغة ستوصلكم إلى ما لا يُحمد عقباه، فمثلما تتحدث الدولة بمسؤولية، فإنها تحمل عصا غليظة أيضًا لكل من يتصور أنه قادر على تهديد أمنها القومي، والمتمثل هنا في قضية المياه، التي لا تقبل مصر أن تتحول إلى ورقة للابتزاز أو الضغط.

إياكم أن تتوهموا أن مصر، وإن كانت تتحدث عن احترامها للقانون الدولي، وعدم إحداث توتر في منطقة القرن الإفريقي، ستقف مكتوفة الأيدي أمام حقوق شعبها، وإياكم أيضًا أن تتوهموا أن الدولة في موقف ضعف أو استسلام عندما كانت طويلة البال في جولات المفاوضات، فالكبار يعرفون قدر أنفسهم، ويضعون مستقبل المنطقة واستقرارها أمام أعينهم، ويدركون أن التصعيد ليس هدفًا في حد ذاته، وأن الحفاظ على الحقوق والثوابت هو الأساس، لكن عندما تتحول المرونة إلى استهانة، والصبر إلى محاولة لفرض الأمر الواقع، يصبح لكل موقف حساباته، وللدولة أدواتها التي تعرف متى تستخدمها، ولكن للأسف، «منين نجيب ناس لمعنى الكلام يتلوه؟!».

نهر النيل يمثل نحو 97% من موارد المياه المتجددة في مصر، ويوفر الحصة الأكبر من الاحتياجات اللازمة لنحو 109 ملايين مواطن هم تعداد المصريين في الداخل، سواء من مياه الشرب أو لقطاعي الزراعة والصناعة، وهو ما يجعل المياه بالنسبة للمصريين قضية حياة وليست مجرد ملف تفاوضي أو خلاف سياسي، فكيف يظن الجانب الإثيوبي أن تهديد المصالح المائية لمصر يمكن أن يمر دون موقف أو رد؟ وكيف يمكن لدولة أن تتعامل مع مورد بهذه الأهمية باعتباره ورقة ضغط في مواجهة دول المصب، بينما يتطلب الأمر تعاونًا حقيقيًا واتفاقًا عادلًا يراعي مصالح الجميع، ويحفظ حقوق مصر والسودان، ويضمن في الوقت نفسه لإثيوبيا حقها في التنمية دون الإضرار بالآخرين؟.

الخلاصة والمفيد.. على من يعتقد أن مصر يمكن أن تتنازل عن حقوقها المائية أن يعيد حساباته جيدًا، فمصر لم تكن يومًا ضد التنمية في إثيوبيا، ولم تعترض على حق الشعب الإثيوبي في الاستفادة من موارده، وتطالب فقط بقواعد واضحة وملزمة تضمن عدم الإضرار بدولتي المصب، وهي قاعدة يفترض أن تحكم العلاقات بين الدول، لا أن تتحول مياه الأنهار إلى وسيلة للهيمنة وفرض الإرادة، ومن يقرأ الموقف المصري جيدًا يعرف أن الهدوء لا يعني الضعف، وأن التفاوض لا يعني التنازل، وأن احترام القانون الدولي لا يعني التخلي عن الحقوق، فالمياه بالنسبة لمصر أمن قومي، ومن يقترب من أمنها القومي عليه أن يدرك أن للدولة صبرًا، ولديها في الوقت نفسه القدرة على حماية حقوقها ومصالح شعبها، وكلمتان للعصابة في أديس أبابا: «افهموا الرسالة»!.