زاوية حرة
ربما يكون من الحكمة أن نتوقف مليًا أمام ظاهرة انتحال الصفة، التي لم تعد حالات فردية، وباتت سلوكًا مقلقًا يتكرر بصورة لافتة، ويشكل اعتداءً صريحًا على القانون، وتحايلاً على المجتمع وثقته في مؤسساته، فخلال الأسبوع الماضي، كشفت وقائع متتالية أن هذه الظاهرة أصبحت أكثر جرأة في محاولة لاستغلال المواطنين وتحقيق مكاسب غير مشروعة، لكن في المقابل، تثبت الأجهزة المعنية يقظتها الكاملة في ملاحقة كل من تسول له نفسه تزوير الصفات أو انتحال المناصب، بما يرسخ هيبة القانون، ويؤكد أن الدولة لن تسمح بأن يجد المزورون والمحتالون موطئ قدم بينهم.
ولعل واقعة القاضي المزيف كانت من أكثر الوقائع إثارة للدهشة، إذ يصعب تصور أن يقدم شخص على ارتداء عباءة القضاء، بما تحمله من قدسية وهيبة، معتقدًا أنه قادر على خداع الجميع والإفلات من العقاب، فالقضاء ليس لقبًا «يُنتحل»، ولا وظيفة يمكن تقمصها، وما أقدم عليه ذلك الشخص يكشف حجم الجرأة التي بلغها بعض المحتالين، الذين يتوهمون أن بإمكانهم استغلال ثقة الناس لتحقيق مصالح شخصية، أو استدراج الضحايا بوعود زائفة بتيسير الإجراءات وإنهاء المعاملات، لكن الحقيقة التي يغفلون عنها أن القانون صارم، وأن نهاية كل محتال تكون حيث ينتهي المطاف بكل من يعبث بحقوق الناس.
وفي المشهد ذاته، جاءت واقعة فتاة «الأوبر» لتكشف وجهًا آخر من وجوه انتحال الصفة، حين ادعت تعرضها للتحرش، وأبلغت الشرطة، وعرفت نفسها بأنها صحفية، في محاولة لإضفاء قدر من المصداقية على روايتها، لكن التحقيقات كشفت الحقيقة، ووجهت النيابة العامة إليها تهمة تكدير السلم العام، بينما سارعت نقابة الصحفيين إلى إبلاغ النائب العام، تأكيدًا على أن المهنة ليست لقبًا «يُستخدم وقت الحاجة»، ولا مظلة يحتمي بها من يختلق الوقائع أو يسيء إلى المجتمع، فالصحافة مهنة لها ضوابطها، والانتماء إليها لا يكون بالادعاء، وإنما بالقانون والعضوية والممارسة المهنية.
وإذا كانت هاتان الواقعتان قد شغلتا الرأي العام، فإنهما في الحقيقة ليستا سوى جزء من ظاهرة أكبر تتغلغل في المجتمع، عنوانها «الألقاب الوهمية»، فكم من شخص يسبق اسمه لقبًا علميًا أو مهنيًا لا يملكه، وكم من صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي يديرها أشخاص ينتحلون صفات خبراء أو مستشارين أو إعلاميين أو أطباء أو قانونيين، من دون مؤهل أو ترخيص أو سند قانوني، والأخطر من ذلك أن هذه الألقاب الزائفة أصبحت وسيلة للتأثير في الناس، واستغلال ثقتهم، والتربح من ذلك؛ وقد يدفع بعض البسطاء لهؤلاء أموالًا «من لحمهم الحي»، وفي نهاية المطاف «يلبس في الحيط»، ليفاجأ بأنه تعرض لعملية نصب مكتملة الأركان.
وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا يجد منتحل الصفة من يصدقه؟ فالمشكلة لا تكمن في براعة المحتال وحدها، ولكن في مجتمع يمنح اللقب أحيانًا قيمة أكبر من الكفاءة، ويمنح المظهر ثقة تسبق الحقيقة، ومع اتساع الفضاء الإلكتروني، بات من السهل صناعة هوية مزيفة تبدو مقنعة، حتى أصبح البعض يصدق ما يراه دون أن يتحقق من صحته، ولهذا فإن أخطر ما في انتحال الصفة ليس الجريمة ذاتها، وإنما البيئة التي تسمح لها بالانتشار، عندما يغيب التدقيق، ويأتي الانبهار بالألقاب بديلًا عن تقدير الكفاءة الحقيقية.
إن مواجهة هذه الظاهرة لا تقتصر على أجهزة إنفاذ القانون وحدها، فالمعركة الحقيقية تبدأ من وعي المجتمع، وهنا المواطن مطالب بألا يمنح ثقته لمجرد لقب يسبق اسمًا، أو صفة يدعيها شخص، أو ادعاءات لا تستند إلى مؤهل أو صفة قانونية، فالثقة ينبغي أن تُبنى على التحقق من المؤهلات والجهات الرسمية، لا على المظاهر أو الشهرة.
وكلمتان لكل لبيب: «لا تنخدع ببريق الألقاب، ولا تمنح ثقتك لمن يصنع لنفسه مكانة من الوهم»، فكم من لقبٍ مزيف فتح بابًا للنصب، وكم من صفةٍ منتحلة كانت جسرًا لخداع الأبرياء.. احذر بائعي الوهم، وأصحاب الهويات المستعارة، والحسابات التي ترتدي ثوب المصداقية، بينما تخفي وراءها وجوهًا مجهولة وأهدافًا مشبوهة، ولنجعل شعارنا من اليوم: «تحقق يا سيدي ثم ثق فيما تشاء»، فأنا لا أصادر عليك، فالوعي هو الحصن الأول في مواجهة الخداع، وسيظل القانون الحارس الذي يفضح كل صفة مزيفة، ويهدم كل لقب من ورق.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض