رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

زاوية حرة

 

لا أعلم لماذا لا تُسلط الأضواء على رمانة ميزان المجتمع، وكأن شاشات التلفاز كُتبت لمن يملكون المال وأصحاب الحظوة وذوي المناصب وحدهم، بينما بعيدًا عن الكاميرات تجري حكايات تستحق أن نتحدث عنها، فهناك أناس عاديون يصنعون كل يوم حياة كاملة دون عنوان، فلاح يخرج إلى أرضه مع أول ضوء، وعامل يفتح ورشته، وموظف يبدأ يومه خلف مكتبه، وسائق يدير محركه قبل أن تستيقظ المدينة، وممرضة تدخل نوبتها، وعامل نظافة يبدأ عمله والشوارع لا تزال هادئة، وجوه قد لا يعرفها أحد، لكنها تحمل جانبًا كبيرًا من أعباء الحياة، ولكل واحد منهم بيت وأبناء وأحلام ومسؤوليات لا تسمح له بالتراجع، ومع ذلك لا يبحث هؤلاء عن بطولة، ولا ينتظرون من أحد أن يصفق لهم، يمضون في أعمالهم بصمت، لأن وراء كل واحد منهم حياة كاملة تعتمد على ما يفعله، وربما كان هذا هو الوجه الحقيقي للمجتمع الذي لا نراه كثيرًا على الشاشات.

نحن نعتاد النتيجة حتى ننسى أصحابها، نضع الخبز على مائدتنا دون أن نتذكر الأرض التي خرج منها القمح، ونسكن البيوت دون أن نفكر في عامل البناء والسباك والكهربائي الذين ترك كل منهم حكاية في جدرانها، ونسير على الطرق دون أن نرى الذين وقفوا تحت الشمس حتى اكتملت، ونذهب إلى المستشفى فنرى الطبيب، بينما وراءه ممرضة وفني وعامل نظافة وموظف استقبال، لكل واحد منهم دور قد لا نلاحظه إلا عندما يغيب، وهذه التفاصيل تذكرنا بحقيقة بسيطة أن ما يصل إلينا في صورته النهائية يقف وراءه جهد كبير وخبرة تراكمت مع السنوات، وأن الراحة التي نعيشها في لحظة ما قد تكون ثمرة يوم طويل قضاه شخص آخر في العمل.


وراء كل مهنة معرفة لا تظهر للعين، فالنجار قد يحمل أسرار الصنعة عن أبيه وجده، والفلاح يعرف أرضه من ملمسها، وموعد ريها، وما يصلح لها من محصول، والميكانيكي قد يحدد العطل من صوت المحرك قبل أن يفتح غطاء السيارة، والخياط يميز جودة القماش من لمسة، والمعلم يعرف من نظرة واحدة أن طالبًا يحتاج إلى اهتمام مختلف، وهذه الخبرات لا تختصرها شهادة، ولا تُكتسب في أيام قليلة، وهي جزء من الذاكرة العملية للمجتمع، تنتقل من جيل إلى آخر، وتحفظ مهنًا وحرفًا من الاندثار، لذلك فإن احترام أصحابها يبدأ من فهم قيمة ما يحملونه، وليس من النظر إلى المهنة باعتبارها وسيلة للحصول على أجر فقط.


ولا يحتاج هؤلاء إلى أن نصنع منهم أبطالًا خارقين، يكفي أن نراهم كما هم، بشرًا يتعبون ويخطئون ويقلقون، ثم يستيقظون في اليوم التالي ليكملوا مسؤولياتهم، فالشجاعة ليست حياة بلا خوف، والصمود لا يعني ألا ينهك الإنسان، والنجاح قد لا يكون منصبًا كبيرًا أو شهرة واسعة، قد يكون في عامل يحافظ على أمانته، وأب يوفر لأبنائه حياة كريمة، وامرأة تؤدي مهنتها بإخلاص، وحرفي يرفض أن يغش في صنعته رغم سهولة الطريق الآخر، فالقيمة ليست دائمًا فيما يراه الناس أو يصفقون له، ولكنها في ما يفعله الإنسان حين لا يراقبه أحد، وربما لهذا علينا أن نلتفت أكثر إلى من يمرون أمامنا كل يوم دون أن نعرف أسماءهم، وأن ندرك أن كثيرًا مما يستمر في حياتنا قائم على جهود لا نلتفت إليها، رغم حضور أثرها في تفاصيل يومنا.


وهنا يأتي دور الإعلام في منح هذه الفئات مساحة تليق بما تقدمه، فليس كل ما يستحق الاهتمام معركة كلامية أو تراشقًا بين المتخاصمين، وهناك قصص خلف الأضواء تُصنع كل يوم في الحقول والمصانع والورش والمستشفيات والشوارع، وحين يروي الإعلام حكايات أصحابها، ويكشف تفاصيل رحلتهم وتعبهم وإصرارهم، فإنه لا يكرمهم فقط، ولكنه يقدم للمجتمع نماذج حقيقية يمكن أن يقتدي بها الأبناء، ويساعد على إعادة تعريف النجاح بعيدًا عن الشهرة، وربما تكون قصة إنسان بسيط تغلب على ظروفه وتمسك بعمله وأمانته أكثر تأثيرًا في الناس من ساعات طويلة من الجدل الذي ينتهي بانتهاء الحلقة.


إننا نحتاج إلى إعلام يذهب إلى حيث يعيش هؤلاء، ويبحث عن قصة العامل الذي لم يتخل عن مهنته رغم قسوة الظروف، والفلاح الذي حافظ على أرضه، والممرضة التي تحملت ساعات العمل الطويلة، والمعلم الذي ترك أثرًا في أجيال، والحرفي الذي ورث مهنته وحافظ على أمانتها، فهذه القصص تستحق أن تُروى، لأنها تكشف جانبًا من حياتنا لا يظهر كثيرًا، وتذكرنا بأن وراء كل خدمة نحصل عليها إنسانًا بذل من وقته وجهده حتى تصل إلينا، وأن تقدير العمل يبدأ من تقدير صاحبه.


ولفهم الرسالة بشكل أوضح، نحن لا نحتاج إلى أن نرفعهم فوق قدرهم أو نصنع حولهم هالة من البطولة، يكفي أن نتناول مشكلاتهم، ونمنحهم حقهم في الاهتمام، لأن المجتمع لا يقوم فقط على من تتصدر صورهم الشاشات، فهناك ملايين الوجوه التي تعمل في صمت وتتحمل مسؤولياتها كل يوم دون انتظار للتصفيق، وإذا أنصفناهم بالكلمة والاهتمام، نكون قد أنصفنا جزءًا حقيقيًا من أنفسنا.