عندما يُستحضر العفريت الرقمي:
يضعنا العصر الذي نعيش فيه وجهاً لوجه أمام مفارقة عجيبة، فبينما نسابق الزمن نحو الرقمنة والذكاء الاصطناعي لجعل أعمالنا ومصالحنا ومعاملاتنا أسرع وأسهل وأدق وأكثر عملية وكفاءة، نجد أن هذه الخطوات الواسعة تحمل في طياتها مخاطر ومشاكل غير متوقعة. وما شهدته محافظة الجيزة يمثل إنذاراً مبكراً وصادماً، حين تفاجأ المارة بشاشات الإعلانات الرقمية المثبتة أعلى الكوبري وهي تبث فيلماً مقاطع إباحية.
مما يفتح الباب واسعاً للتأمل في مخاطر"السيبرانية"، بل ومفهوم السيبرانية الذى تطور ليدل على كل ما يتعلق بالفضاء الرقمي والشبكات المترابطة والأنظمة الذكية التي تدير المعطيات البرمجية والتطبيقات الرقمية. غير أن هذا الامتداد يحمل في طياته وجهاً مظلماً يتمثل في الاختراق السيبراني، أى التسلل الخفي والدخول غير المصرَّح به إلى الأنظمة أو الشبكات الرقمية عبر استغلال ثغرات أمنية في البرمجيات أو الأجهزة، بهدف سرقة البيانات أو تخريب الأنظمة أو التلاعب بالمحتوى المعروض والتحكم فيه عن بُعد دون إذن من المالك الأصلي.
ويكشف هذا الحادث بوضوح شديد عن خطورة العبث بالأنظمة التقنية القائمة على الشبكات السيبرانية ، إذ لم يعد الفضاء الرقمي مجرد وسيلة عابرة للترفيه أو التواصل الفردي، بل أصبح أصلًا أساسيًا من أصول البنية التحتية للمجتمعات المعاصرة. وتكمن الخطورة الكبرى في سهولة تحويل الأجهزة التقنية الموجهة لخِدمةً الصالح العام إلى أدوات لبث الفوضى أو نشر الرعب أو جرح الحياء العام. إن العبث بالأنظمة السيبرانية يتجاوز فكرة الخسارة المالية المباشرة، إذ يمتد لتشويه المجال العام وتخريب السلم الاجتماعي عبر منصات برمجية يُفترض فيها السلامة والأمان.
فعلى المستوى المحلي، يؤدي اختراق لوحة إعلانية في شارع رئيسي وبث فيلم إباحي عليها إلى جرح الذوق العام ومباغتة العائلات والمواطنين بمشاهد صادمة في الأماكن العامة. أما على المستوى العالمي، فإن قدرة القراصنة على ضرب خادم مركزي لشركة دولية واحدة للتحكم في مئات الشاشات عبر دول مختلفة وفي لحظة زمنية واحدة تبرهن على مدى هشاشة العولمة الرقمية وسهولة انتقال العدوى التقنية عبر الفضاء السيبراني دون اعتبار للحدود الجغرافية أو السياسية.
إن وتيرة التطور التقني والاعتماد الكلي على الشبكات المترابطة أوجد وضعًا شبيهًا بما يُعرف في الأدبيات بتحضير العفريت، إذ سارعت الدول والمؤسسات إلى تحويل خدماتها وبنيتها التحتية إلى أنظمة سيبرانية ذكية بحثًا عن السرعة والفاعلية والكفاءة الاقتصادية، لكنها في مقابل ذلك فتحت أبوابًا عريضة لتهديدات غير مرئية يصعب التنبؤ بمسارها. وأصبح يتوجب على الدول التي استحضرت هذا العفريت التقني أن تتحمل تبعات الاعتماد التام عليه، وأن تدرك أن الاستثمار في الميكنة والرقمنة يجب أن يرافقه استثمار مضاعف في الأمن السيبراني والأسوار البرمجية الحامية، وإلا تحولت تلك الإنجازات التقنية إلى ثغرات تنفذ منها الهجمات لتضاعف الخسائر.
وتخشى الحكومات فعليًا من أن استخدام القراصنة لمثل هذه الأساليب في الأماكن العامة قد لا يتوقف عند حدود بث المواد الإباحية أو المشاهد الخارجة، بل قد يتطور في لحظات الأزمات إلى بث شائعات مضللة، أو بيانات كاذبة تحث على الهلع، أو تحريض مباشر على العنف، أو تعطيل حركة المرور والمرافق الحيوية مثل محطات الكهرباء والمطارات والمستشفيات، مما يربك الأمن القومي ويزعزع ثقة الشارع في قدرة المؤسسات على حماية مجالها العام.
وقد تتأثر الاستثمارات الاقتصادية عندما تشعر الشركات العالمية والمحلية بأن بنيتها التقنية مخترقة وغير قادرة على صيانة الأمان والسرية.
وليست حادثة القاهرة استثناءً في هذا المجال، بل هي جزء من تاريخ طويل وشديد الخطورة للهجمات السيبرانية ، فقد خاضت حكومات الغرب تجارب قاسية مع قرصنة البنية التحتية والأنظمة الرقمية، مثل الفيروس الذى أدى في أمريكا إلى إغلاق أكبر خط لضخ الوقود في الساحل الشرقي لأيام متواصلة، مما أحدث حالة هلع وفوضى في محطات البنزين وإعلان حالة الطوارئ. كما تعرضت المستشفيات التابعة لهيئة الصحة الوطنية في بريطانيا لهجوم "وانامرايك" الشهير، مما أدى إلى تعطيل الأجهزة الطبية وإلغاء آلاف العمليات الجراحية. مما دفع تلك الدول إلى تشديد التشريعات وإلزام الشركات الخاصة بمعايير أمنية صارمة وتوفير شبكات مغلقة لا تتصل بالإنترنت العام.
فما الحل ، الحقيقة أنه لمواجهة هذه الظاهرة ومجابهة العبث بالأنظمة السيبرانية القائمة، يتوجب اتخاذ حزمة من التدابير التكنولوجية والتنظيمية الحازمة. قد تصل إلى فصل الأنظمة الميدانية الحيوية وشاشات العرض العامة عن شبكة الإنترنت المفتوحة، والاعتماد على شبكات خاصة مغلقة أو أنظمة اتصال مشفرة معزولة. وتفعيل بروتوكولات التحقق متعدد العوامل وتشفير البيانات المنقولة من الخوادم إلى أجهزة العرض، إلى جانب التطوير المستمر لبرمجيات الحماية وإجراء اختبارات الاختراق الدورية للتعرف على الثغرات قبل أن يستغلها القراصنة. ومن الضروري وضع تشريعات تلزم الشركات الإعلانية والتقنية بفرض معايير أمنية عالية، مع توفير زر إيقاف فيزيائي يدوي لكل شاشة عامة يسمح بقطع الطاقة والبث فورًا بمجرد رصد أي نشاط غير طبيعي دون الانتظار للتحكم البرمجي عن بُعد.
والخلاصة أن الأمان الرقمي لم يعد خيارًا ثانويًا أو رفاهية تقنية، بل هو جزء أصيل من الأمن القومي والسكينة المجتمعية. فالاعتماد على التكنولوجيا دون بناء أسوار حماية متينة يشبه تشييد المبانى دون أساس، والدرس الأهم للشركات والمؤسسات والحكومات هو أن الأمن السيبراني عملية مستمرة وديناميكية لا تتوقف عند تثبيت برنامج حماية، بل تتطلب يقظة دائمة، وتحديثًا مستمرًا للأنظمة، وتدريبًا للكوادر البشرية، وإدراكًا عميقًا بأن من يستعين بالتقنية القائمة على الفضاء السيبراني عليه أن يكون مستعدًا دائماً لحماية هذا الفضاء، وضمان ألا يتحول السلاح التقني إلى خنجر في ظهر المجتمع واستقراره.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض