رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

زاوية حرة

حريّ بالمرء أن يقف مشدوها أمام الحقيقة الوحيدة التي لا تعرف الزيف، وهي الموت، تلك اللحظة المكتوبة على كل إنسان منذ أن خلق الله البشرية، صحيح تعددت الأسباب والموت واحد، لكن النوازل الكبرى تفرض علينا أن نتوقف أمام أسبابها، لا اعتراضًا على قدر الله، وإنما بحثًا عن مسؤولية البشر، وعن الأخطاء التي كان يمكن منعها قبل أن تتحول إلى جنازات، فحين يموت طفل كان خارجًا في الظلام الدامس بحثًا عن بضعة جنيهات، لا يمكن اختصار المأساة في حادث طريق، لأن خلف كل ضحية أسرة فقيرة، وحاجة دفعتها إلى ذلك، وطريقًا غير آمن، ووسيلة نقل لا تليق بالبشر، وأخطاء كان يمكن تداركها.

قضية عمال التراحيل أو مقاولي الأنفار ليست جديدة، وظلت لسنوات في منطقة رمادية بين الحاجة والفوضى، حيث يتولى شخص جمع العمال من القرى وربطهم بأصحاب الأعمال مقابل نسبة أو أجر، ثم تنتهي مهمته عند توفير العمالة، دون أن تمتد مسؤوليته في كثير من الحالات إلى ضمان حقوقهم أو سلامتهم،  وهنا تكمن المشكلة في غياب الرقابة على هذه المنظومة، وعلى طبيعة العمل، والأجور، وساعات التشغيل، وأعمار العمال، ووسائل نقلهم، والأخطر أن بعضهم يُعامل كحمولة يتم نقلها بأقل تكلفة ممكنة، فيُحشر داخل صناديق السيارات أو فوقها، وينطلق بهم السائقون على الطرق السريعة، في مشهد يكشف حجم الاستهانة بأرواح أناس لم يخرجوا إلا بحثًا عن لقمة العيش.

وفي الواقع، فإن تحميل المسؤولية لمقاول الأنفار أو السائق وحده لن يحل الأزمة، ففي البداية يجب أن نجيب عن دوافع الأسرة التي ترسل طفل في العاشرة أو الحادية عشرة أو الثانية عشرة إلى العمل بدلًا من المدرسة؟ الإجابة المؤلمة هي الفقر، فعندما يعجز دخل الأسرة عن تلبية احتياجاتها، يصبح الطفل في بعض البيوت مصدر دخل إضافي، وهنا تتداخل مسؤولية الأسرة مع مسؤولية الدولة والمجتمع، فالفقر لا يمكن أن يكون مبررًا لتشغيل الأطفال، وفي الوقت نفسه لا يمكن تجاهل الظروف التي تدفع بعض الأسر إلى هذا الخيار، لذلك فإن مواجهة الظاهرة يجب أن تبدأ بتوفير حماية اجتماعية حقيقية للأسر الأكثر احتياجًا، وضمان بقاء الأطفال في التعليم، وتجفيف منابع الحاجة التي تدفع بهم إلى سوق العمل قبل أوانهم.

وتنص أحكام قانون العمل رقم 14 لسنة 2025 على حظر تشغيل الأطفال قبل بلوغ سن 15 عامًا، مع السماح بالتدريب اعتبارًا من سن 14 عامًا وفق ضوابط محددة، وبما لا يؤثر في استمرار الطفل في التعليم، وبالتالي فإن تشغيل الأطفال يظل مخالفة صريحة، حتى لو كان الهدف مساعدة أسرته، لكن الأزمة الحقيقية تكمن في الرقابة والتنفيذ، فمن يتابع الأطفال الذين يخرجون قبل الفجر إلى الحقول وورش العمل؟ ومن يتأكد من أعمارهم وظروف تشغيلهم؟ ومن يراقب المقاولين؟ فالنصوص وحدها لا تحمي طفلًا إذا ظلت الرقابة غائبة، والمطلوب آليات فعالة للرصد، وعقوبات رادعة، وتدخل مبكر يمنع الطفل من الوصول أصلًا إلى سوق العمل.

أما البعد الأخطر في الأزمة فهو النقل، فكيف تتحرك سيارة محمّلة بعشرات العمال والأطفال على طريق عام، وهم يجلسون في صندوق مكشوف أو وسيلة غير مخصصة لنقل الركاب، ثم تقطع بهم مسافات طويلة وسط حركة مرورية كثيفة؟ هنا لا نتحدث عن خطأ بسيط، وإنما عن خلل في تنظيم الرحلة، ولذلك أصبح فرض الرقابة أمرًا ضروريًا لمنع المخالفة قبل وقوعها، وإلزام أصحاب الأعمال بتوفير وسائل آمنة لنقل العمال، وإيقاف أي سيارة تعرض حياتهم للخطر، لأن المحاسبة بعد الكارثة لا تعيد طفلًا إلى أمه، ولا عاملًا إلى أسرته.

والحقيقة التي يجب ألا نهرب منها أن عمال التراحيل يمثلون شريحة واسعة من العمالة الأكثر هشاشة؛ يخرجون من قراهم بحثًا عن يومية، وفي كثير من الحالات دون عقود واضحة أو ضمانات كافية، وهو ما يستوجب وضع تنظيم واضح للعمالة الموسمية، ومراقبة الوسطاء، وضمان وسائل نقل آمنة، ومنع تشغيل الأطفال، وتوفير حماية اجتماعية للأسر الأكثر احتياجًا، ولنذهب بعيدًا عن من يتحمل مسؤولية الحادث؟، ويجب أن نسأل أنفسنا كيف وصل هؤلاء إلى طريق جعل لقمة العيش محفوفة بالموت؟ وإذا كان الموت قدرًا، فإن الفقر والاستغلال والإهمال والفوضى أمور يمكن مواجهتها، وهذه مسؤولية لا يجوز أن يتنصل منها أحد.