صليت الجمعة اليوم فى أحد مساجد الهرم ، وكانت خطبة الجمعة بعنوان "الألعاب الإلكترونية وتأثيرها على الأسرة "وهو الموضوع الذى حددته وزارة الأوقاف ، كما ذكر الخطيب فى بداية الخطبة. والحقيقة أننى وجدت فى موضوع الخطبة مساحة مهمة للتأمل ، ليس فقط فى مخاطر الألعاب الإلكترونية ، وإنما فى واقع اجتماعى وأسرى نعيشه وأصبح يحتاج إلى وقفة ومراجعة.
تحدث الخطيب عن خطورة إهدار الوقت فى الألعاب الإلكترونية إلى حد الوقوع فى المعاصى ، واستنزاف الأموال ، وضياع أعمار الشباب وطاقاتهم فيما لا ينفع ، مؤكدا أن الإنسان مسؤل أمام الله عن عمره وشبابه وماله ، وأنه سيُسأل يوم القيامة عن كيفية استثمار هذه النعم ، وفيما أنفق أمواله ، وكيف أمضى سنوات عمره.
وتوقفت أمام الحديث النبوى الشريف الذى استشهد به الخطيب ، والذى يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيما أفناه ، وعن علمه فيم فعل ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه ، وعن جسمه فيم أبلاه .
وهو حديث عظيم يضع الإنسان أمام مسؤلية حقيقية عن كل ما يملك ، فلا العمر ملكية مطلقة بلا حساب ، ولا المال مجرد أرقام تُنفق دون وعى ، ولا الشباب طاقة يمكن تبديدها فى اللهو والانشغال بما لا يعود بالنفع دون حساب .
لكن ما استوقفنى أكثر من مخاطر الألعاب الإلكترونية هو تأثيرها فى شكل الأسرة المصرية وطبيعة العلاقات داخل البيوت.. أصبحنا أمام مشهد يتكرر فى كثير من المنازل .. أب يجلس ممسكا بتليفونه المحمول ، وأم منشغلة بعالمها الإلكترونى ، وأبناء غارقون في الألعاب ومواقع التواصل ، وكل منهم يعيش فى عالم منفصل ، رغم أنهم يعيشون تحت سقف واحد..
لم تعد هناك جلسات أسرية حقيقية يتبادل فيها أفراد الأسرة أطراف الحديث ، ولا حوارات طويلة تجمع الآباء بالأبناء ، ولا ذلك الدفء الذى كانت تصنعه تفاصيل الحياة اليومية.. أصبح الصمت سيد الموقف ، وتحولت بعض البيوت إلى مجتمعات صامتة ، يجمع أفرادها المكان وتفرقهم الشاشات..
بالطبع لا يمكن أن نحمل الألعاب الإلكترونية وحدها مسؤلية كل هذه التحولات الأسرية ، أو نعتبر التكنولوجيا شرا مطلقا ، فهناك ألعاب مفيدة ، واستخدام مهم للتكنولوجيا ، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الترفيه إلى إدمان ، والوسيلة إلى غاية ، ويصبح التليفون أو جهاز الألعاب أهم من الأسرة والعمل والدراسة والعبادة..
وتزداد الخطورة عندما يصل الأمر إلى الدخول فى محتويات غير أخلاقية أو إنفاق الأموال بلا حساب ، ما يترتب عليه أزمات مالية وسلوكية واجتماعية.
القضية هنا أكبر من لعبة إلكترونية أو ساعات يقضيها شاب أمام شاشة ، إنها قضية وعى وتربية ومسؤلية، وقضية أسرة ينبغى أن تستعيد دورها في الحوار والتوجيه والاحتواء ، بدلا من ترك الأبناء فريسة لعوالم افتراضية قد لا يدركون مخاطرها...أحسنت وزارة الأوقاف باختيار هذا الموضوع لخطبة الجمعة ، لأنه يمس واقعا نعيشه داخل بيوتنا ، ويستحق أن يتجاوز حدود الموعظة الدينية إلى حوار مجتمعى أوسع حول قيمة الوقت والشباب والمال والعلاقات الإنسانية.
فالأعمار لا تتوقف انتظارا لمن يستيقظ ، والشباب لا يعود بعد انقضائه ، والأموال التى تُهدر دون وعى قد تكون الأسرة فى أمسّ الحاجة إليها.. وفى النهاية لن يكون السؤال فقط كم ساعة قضيناها أمام الشاشات ، وإنما ماذا قدمنا فى أعمارنا ، وماذا تركنا لأبنائنا ، وكيف أدينا مسؤلياتنا تجاه أنفسنا وأسرنا ومجتمعنا.. فهل ننتبه قبل أن نجد أنفسنا نعيش فى بيوت تجمعنا جدرانها ، بينما فرقت بيننا شاشات التليفونات والألعاب ، وضاعت بين أيدينا أجمل سنوات العمر ؟
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض