رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

زاوية حرة

 

 

منذ أن قررت منصات التواصل الاجتماعي صرف أرباح لصناع المحتوى، راح نفر من القوم إلى بث ما يسمى «الروتين»، وهي كلمة مطاطة يبدأ الحديث بها ولا ينتهي إلا عند عرض الأجساد والملابس والمشاهد التي تتجاوز حدود المقبول، وأصبحت بعض هذه المنصات سوقًا مفتوحة لا يكون فيها معيار النجاح هو قيمة ما يُقدم أو فائدته للناس، ولكن المقياس بعدد المشاهدات وحجم المتابعين وقدرة صاحب المحتوى على إثارة الجدل بأي وسيلة كانت، وكلما زاد فرط الحركة والاستعراض، وارتفع سقف الجرأة، وتراجعت حدود الخصوصية والحياء، زاد المقابل من الدنانير، وهكذا هبَّ العاطلون والكسالى نحو عرض ما لا يُعرض، وكشف ما كان مستورًا، ضاربين بأعراف المجتمع وتقاليده عرض الحائط، ولا يعنيهم من الأمر سوى الأموال والشهرة، والأرقام التي تتحول في النهاية إلى أرباح.


ولا أحدثكم هنا عن أشخاص لا يعرفون ماذا يفعلون أو لا يدركون عواقب ما يقدمون، فالبعض منهم يعرفون جيدًا الطريق الذي يسلكونه، ويدركون طبيعة المحتوى الذي يقدمونه، ومع ذلك يوغلون فيه يومًا بعد يوم، بعدما أعمت الأموال أعينهم عن النتائج، وأصبح مبدأهم أن كل شيء مباح طالما أن هناك مشاهدات وأرباحًا، فتحولت الأجساد إلى سلع، والخصوصية إلى مادة للإعلان، والابتذال إلى وسيلة للرزق، والأخطر أن أصحاب هذا النوع من المحتوى لا يكتفون بما يقدمونه، ولديهم رغبة جامحة في الاستمرار ورفع سقف الإثارة، لأن المحتوى الهادئ لا يحقق ما تجلبه المشاهد الصادمة، وكل تجاوز قد يعني آلاف المتابعين الجدد ومزيدًا من الأموال، ليتحول الأمر برمته إلى «سوق نخاسة».

القصة في جوهرها لا تتعلق فقط بتلك الشريحة المستهدفة على منصات التواصل أيًا كانت، والكـارثة الأكبر تكمن في تأثير هذا المحتوى على بنية المجتمع نفسه، عندما يتحول الابتذال من حالة استثنائية إلى ظاهرة منتشرة، ومن تصرف فردي إلى نموذج يحاول البعض تقليده لجلب الأموال بسهولة، أو أن يتحول المحتوى المرفوض إلى وسيلة للشهرة والثراء وتحقيق الأرباح، فهؤلاء يهددون منظومة القيم، وينخرون في عظام المجتمع كالسوس، يأكلون اللحم شيئًا فشيئًا حتى لا يبقى سوى الهيكل العظمي، ثم يسقط جسد المجتمع العليل أرضًا بعدما يفقد قدرته على مقاومة ما ينهشه من الداخل، والطامة الكبرى هنا أن يصل الناس إلى مرحلة يستسيغون فيها تلك الأفعال، ويتعاملون معها باعتبارها أمرًا طبيعيًا، حتى يصبح من ينتقدها هو الغريب، ومن يرفضها هو المتخلف في نظر أصحابها.

بصدق نحن أمام أمر جلل، فحين يصبح صاحب المحتوى الأوفر شهرة هو الأشد ابتذالًا، وصاحب الجرأة هو الأوفر تحقيقًا للأرباح، ومن يتجاوز الحدود هو الأوسع متابعة، فإن الرسالة التي تصل إلى الأجيال الجديدة تكون شديدة الخطورة: «لا تتعب نفسك في العلم والعمل والإبداع، اصنع ضجة، واعرض ما لا ينبغي عرضه، وارفع سقف الإثارة والفوضى، وسوف تأتيك الشهرة والأموال جاثية»، وهكذا ينضم جيل المستقبل إلى هذا المشهد البائس، بدلًا من أن يبحث عن عالم أو طبيب أو مهندس أو باحث أو مبدع يستحق أن يكون قدوة، يصبح الجميع فجأة «صناع محتوى»، وتتحول الشهرة إلى غاية، والمشاهدات إلى مقياس للنجاح، بعيدًا عن قيمة الإنسان وما يقدمه للمجتمع، وتتحول المسألة من مجرد فيديوهات تُبث، إلى أزمة حقيقية في صناعة القدوة وتشكيل وعي الأجيال.

وعلى هامش ما يحدث أمامنا، تجدر الإشادة برجال الشرطة المتمرسين في ملاحقة كل من يتجاوز القانون ويستغل منصات التواصل الاجتماعي لنشر محتوى يخالف الآداب العامة وثوابت المجتمع، فالتحية لكل رجل يؤدي واجبه بحسم، ولا يتوانى عن ضبط المتورطين في تلك الممارسات وتجفيف منابع الأنشطة المخالفة، فترك هذه التجاوزات دون محاسبة قد يفتح الباب أمام المزيد منها، ويمنح البعض اعتقادًا خاطئًا بأن مواقع التواصل توفر حصانة أو تسمح بتجاوز القانون، ومن هنا تأتي أهمية الجهود التي تبذلها وزارة الداخلية في مواجهة هذه الممارسات، والتأكيد على أن القانون لا يفرق بين صاحب محتوى وآخر، ولا ينظر إلى شهرته أو عدد متابعيه، ويحاسب على الفعل ذاته، ومن يثبت ارتكابه مخالفة تستوجب المساءلة، فعليه تحمل مسؤولية أفعاله وفقًا للقانون.

إن الأزمة أكبر من فيديوهات تنشر على منصات التواصل، أو أشخاص يبحثون عن الشهرة والأموال، فالقضية تتعلق بثقافة جديدة للنجاح يجري تقديمها أمام الأجيال، ثقافة تجعل الإثارة والابتذال طريقًا سريعًا إلى الشهرة والمال، وأقولها بصراحة وسوف تدون أبد الدهر، إذا استمر هذا النهج، فسوف يدفع المجتمع ثمنه في وعي أبنائه وقيمه، لذلك علينا أن ندرك أن كل مشاهدة ومشاركة تمنح هذا المحتوى فرصة أكبر للوصول إلى الناس، وأن دعم المحتوى الهادف هو رسالة للنماذج التي تستحق أن تكون قدوة، فليس كل ما يحقق الانتشار يستحق الاحتفاء، ولا كل ما يجذب الأنظار يمثل نجاحًا حقيقيًا، والمحتوى الجيد هو الذي يضيف قيمة للناس ويحترم عقولهم ويحافظ على ما يستحقه المجتمع من وعي ومسؤولية.