يسري الشرقاوي: تراجع الإتقان يرفع تكلفة الإصلاح ويضعف تنافسية المنتجات المصرية
حذر الدكتور يسري الشرقاوي، مستشار الاستثمار الدولي وخبير التنمية الاقتصادية ورئيس جمعية رجال الأعمال المصريين الأفارقة، من تراجع قيمة الإتقان في سوق العمل، معتبرًا أن المهنة في مصر كانت لسنوات طويلة أكثر من مجرد وظيفة، إذ ارتبطت بالسمعة والالتزام وتحمل المسؤولية، قبل أن تتراجع تلك الثقافة تدريجيًا أمام الفهلوة والاستسهال والفوضى، وهو ما انعكس على جودة الخدمات والمنتجات، ورفع تكلفة الإصلاح وإعادة العمل، وأصبح المواطن في كثير من الحالات يدفع ثمن الخدمة مرة، ثم يدفع مرة أخرى لإصلاح ما أفسدته الخدمة الأولى.
وأوضح الشرقاوي، في تصريحات للوفد، أن المهنة في المجتمع المصري كانت تمثل عهدًا اجتماعيًا غير مكتوب، فالمعلم كان حريصًا على هيبة الفصل، وسائق التاكسي مسؤولًا عن المركبة والراكب، والسباك لا يغادر موقع العمل قبل التأكد من سلامة الوصلة، بينما كان الميكانيكي يضع اسمه على الإصلاح باعتباره توقيعًا على ضمان ما قدمه، وكان الممرض يلتزم بالجرعة والموعد، كما كان العامل داخل المصنع يدرك أن أي قطعة رديئة قد تؤثر على سمعة المصنع وقدرته على المنافسة.
وأضاف أن مفهوم الإتقان لم يكن مرتبطًا بجودة العمل فقط، وإنما كان معيارًا أخلاقيًا يعكس الالتزام بالموعد، واحترام العميل، والحفاظ على السمعة، وتقديم الخدمة بالشكل الذي يليق باسم صاحب المهنة، حتى إن بعض المهن البسيطة كانت تعتمد في استمرارها على الانتظام والسمعة قبل الاعتماد على قيمة الخدمة نفسها، مشيرًا إلى أن هذا المفهوم تعرض خلال السنوات الماضية لتراجع واضح مع انتشار ممارسات الاستسهال والعمل غير المنضبط.
وأشار مستشار الاستثمار الدولي إلى أن آثار تراجع الإتقان تظهر بصورة مباشرة في الحياة اليومية، حيث يتحمل المواطن تكلفة مضاعفة نتيجة إعادة العمل وإصلاح الأعطال والنزاع حول الضمان وضياع الوقت في انتظار مواعيد لا يتم الالتزام بها، موضحًا أن هذه التكلفة الخفية تمتد إلى المنازل والمصانع والمستشفيات والمدارس، ولا تتوقف عند قيمة الخدمة التي تم دفعها في البداية.
وأكد أن تراجع الإتقان في مهنة التعليم ينعكس على الانضباط داخل الفصل وجودة المخرجات التعليمية، كما أن ضعف مستوى الفنيين يحول عمليات الصيانة إلى سلسلة متكررة من الأعطال، بينما يمثل تراجع مستوى الأداء في المهن المرتبطة بالسلامة والرعاية تهديدًا مباشرًا للأمان اليومي للمواطن، وهو ما يجعل قضية الإتقان مرتبطة بالاقتصاد والمجتمع وجودة الحياة في الوقت نفسه.
ولفت الشرقاوي إلى أن المجتمع الذي لا يمنح المهنة قيمتها يفقد إحدى أهم أدوات المحاسبة غير المكتوبة، وهي سمعة الحرفي أو المهني، موضحًا أن السمعة كانت في الماضي بمثابة ضمان مستقل يجعل اسم صاحب المهنة مرتبطًا بجودة ما يقدمه، بينما أصبح المواطن اليوم في بعض الحالات أمام سوق يصعب فيه التمييز بين مقدم الخدمة الملتزم وغيره، وهو ما يحول الاستعانة ببعض الفنيين إلى مخاطرة بدلًا من أن تكون علاقة قائمة على الثقة.
وفي هذا السياق، أشار إلى تجربة العمالة الفلبينية في السوق السعودي، موضحًا أن الأمر لا يتعلق بجنس أو تصنيف بشري، وإنما بنموذج لسوق يكافئ الإتقان ويعاقب التسيب، حيث أصبحت بعض المهارات المهنية مرتبطة بدرجة من الثقة لدى المستهلك، وهو ما يوضح أهمية بناء منظومة تجعل جودة العمل والالتزام معيارًا أساسيًا في تقييم المهني، وليس مجرد عدد سنوات الخبرة أو الحصول على شهادة.
وأكد أن مصر لم تفقد الحرفيين من حيث العدد بقدر ما فقدت ما يمكن وصفه بـ"شهادة السوق" التي كانت تجعل اسم المهني ضمانًا قائمًا بذاته، مشددًا على أن استعادة هذه الثقة تحتاج إلى منظومة واضحة للتدريب والاعتماد والرقابة والضمان، بحيث يصبح الإتقان قيمة اقتصادية قابلة للقياس وليست مجرد نصيحة أو شعار.
الإنتاجية والعمالة غير الرسمية
وربط الدكتور يسري الشرقاوي بين أزمة الإتقان ومستوى الإنتاجية، مشيرًا إلى أن مراجعة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لعام 2026 أظهرت تراجع إنتاجية العمل في الصناعة التحويلية المصرية من نحو 90% من متوسط دول المنظمة عام 2010 إلى 66% عام 2023، وهو ما يعكس اتساع الفجوة بدلًا من تضييقها، موضحًا أن انخفاض الإنتاجية يعني تحقيق ناتج أقل خلال ساعة العمل نفسها، وهو ما ينعكس على الأجور وقدرة المنتجات المصرية على المنافسة.
وأشار إلى أن التشغيل غير الرسمي يستوعب نسبة كبيرة من إجمالي المشتغلين، تقدر بنحو 67%، وترتفع النسبة بين الشباب إلى قرابة 91%، موضحًا أن الاقتصاد غير الرسمي قد يوفر فرصة سريعة للحصول على الدخل، لكنه في الوقت نفسه يضعف الرقابة، ويقلل من فرص الحصول على ضمان واضح، ويبعد المهنة عن منظومة التدريب والاعتماد والمساءلة.
وأوضح أن استمرار هذه الأوضاع ينعكس على الاقتصاد من خلال ارتفاع تكلفة إعادة العمل والفاقد ورداءة المنتجات، فضلًا عن تضييق القاعدة الضريبية، مؤكدًا أن النمو الاقتصادي لا يرتبط فقط بزيادة أعداد العاملين، وإنما بجودة ساعة العمل وقدرتها على إنتاج قيمة حقيقية قابلة للمنافسة.
التعليم الفني.. الحلقة الأهم في منظومة الإتقان
وتطرق الشرقاوي إلى ملف التعليم الفني باعتباره أحد أهم المسارات التي يفترض أن تنتج العمالة الماهرة، مشيرًا إلى التحاق أكثر من مليوني طالب بهذا النوع من التعليم، بينما بلغت نسبة النجاح العامة في إحدى الدورات الأخيرة نحو 70.5%، وهبطت في مسار الإعداد المهني إلى نحو 32.5%.
وأوضح أن هذه المؤشرات تطرح تساؤلات حول مدى جاهزية مخرجات التعليم الفني لمتطلبات المصانع وسوق العمل، خاصة في ظل الحاجة إلى عمالة تمتلك مهارات عملية حقيقية، مؤكدًا أن القضية لا تتعلق فقط بعدد الخريجين، وإنما بقدرتهم على تحويل ما تعلموه إلى مهارة قابلة للتطبيق والإنتاج.
وأشار إلى أن الإنفاق على التعليم بلغ نحو 1.7% من الناتج المحلي في موازنة 2024/2025، بعد أن كان أعلى من 2% قبل سنوات، بالتزامن مع تحديات تتعلق بنقص المعلمين وارتفاع كثافات الفصول، معتبرًا أن هذه العوامل تؤثر في قدرة منظومة التعليم على بناء المهارات المطلوبة لسوق العمل.
وأضاف أن انخفاض معدل البطالة الكلية إلى نحو 6.2% في أواخر عام 2025 لا يعني بالضرورة أن مشكلة سوق العمل قد انتهت، في ظل بقاء بطالة الحاصلين على مؤهل جامعي عند نحو 12.6%، وهو ما يعكس وجود فجوة بين الشهادة والمهارة، ويؤكد أن سوق العمل يحتاج إلى خريج يمتلك قدرة عملية وليس مجرد مؤهل دراسي.
تجارب دولية تجعل الإتقان أساسًا للتنافسية
وأكد مستشار الاستثمار الدولي أن تجارب عدد من الدول المتقدمة تؤكد أن التنافسية المهنية لا تبنى بالشعارات، وإنما من خلال منظومات ثابتة تربط التعليم والتدريب بسوق العمل، مشيرًا إلى سنغافورة وسويسرا وألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية كنماذج مختلفة في بناء ثقافة الجودة والإتقان.
وأوضح أن سنغافورة تصدرت مؤشر التنافسية العالمية للمواهب لعام 2025، مستفيدة من الربط بين التعليم وسوق العمل وإعادة التأهيل المستمر، بينما تتمتع سويسرا بتجربة راسخة في التدريب المهني والتدريب أثناء العمل، فيما تمثل ألمانيا نموذجًا بارزًا في نظام التعليم المزدوج الذي يجمع بين الدراسة والتدريب داخل المصنع.
وأشار إلى أن اليابان رسخت ثقافة الإتقان داخل منظومة التصنيع، بحيث تصبح الجودة جزءًا من عملية الإنتاج نفسها، بينما ربطت كوريا الجنوبية التعليم التقني بالتطور الصناعي وسلاسل التصدير، مؤكدًا أن القاسم المشترك بين هذه التجارب هو أن السوق لا يشتري مجرد ساعات عمل، وإنما يشتري معيارًا متكاملًا يقوم على الوقت والجودة والضمان والقدرة على تحمل المسؤولية.
10 توصيات لاستعادة قيمة الإتقان
وطرح الدكتور يسري الشرقاوي مجموعة من التوصيات العملية لاستعادة قيمة الإتقان داخل سوق العمل، تبدأ بإقرار رخصة مهنية إلزامية ومتجددة للحرف التي تمس حياة المواطنين، من السباكة والكهرباء إلى التمريض والصيانة، بما يضمن وجود حد أدنى من الكفاءة والالتزام بالمعايير.
كما دعا إلى تطبيق نظام تلمذة مزدوجة داخل المصانع المعتمدة لمدة لا تقل عن عامين، إلى جانب إنشاء سجل مهني إلكتروني يتيح للمواطن الاطلاع على تقييمات الجودة والضمان قبل التعاقد مع مقدم الخدمة، وربط برامج دعم المشروعات الصغيرة بالحصول على اعتماد جودة، وليس فقط بعدد العمالة.
وشدد على أهمية رفع أجر المعلم الفني ومدرب المصنع وربط تقييمهما بنتائج الخريجين في سوق العمل، إلى جانب إلزام شركات الصيانة بتقديم ضمانات مكتوبة وتحديد مدد واضحة للإصلاح، مع وجود إجراءات تجاه تكرار العطل نفسه، بما يعيد الثقة إلى العلاقة بين مقدم الخدمة والمستهلك.
واقترح أيضًا إدماج أخلاقيات المهنة والانضباط ضمن برامج التدريب العملي، وتحفيز العاملين في الاقتصاد غير الرسمي على الانتقال إلى القطاع الرسمي من خلال التأمين والتدريب مقابل الالتزام بالمعايير، إلى جانب الاستفادة من التجارب الدولية من خلال شراكات مع معاهد ومؤسسات تدريبية سويسرية وألمانية ويابانية داخل المصانع المصرية.
وأكد أن التوصية العاشرة تتمثل في إطلاق ما يمكن وصفه بـ"حملة سمعة وطنية" تجعل اسم الحرفي أصلًا اقتصاديًا يتم الحفاظ عليه ومكافأته ومحاسبته، بحيث يصبح نجاح المهني مرتبطًا بجودة عمله ورضا العملاء عنه، وليس فقط بعدد الخدمات التي يقدمها.
الإتقان ليس حنينًا إلى الماضي
واختتم الدكتور يسري الشرقاوي رؤيته بالتأكيد على أن الإتقان ليس مجرد حنين إلى الماضي، وإنما يمثل فارقًا حقيقيًا بين اقتصاد يبيع ساعة عمل منخفضة التكلفة واقتصاد يستطيع بيع الثقة والجودة في الأسواق المحلية والدولية، موضحًا أن جودة العمل لا تحتاج إلى حملات دعائية عندما تصبح واضحة في المنتج والخدمة والنتيجة النهائية.
وأكد أن أزمة المهنة لا ترتبط بنقص الأيدي العاملة فقط، وإنما بسقوط ما وصفه بـ"عقد الإتقان" الذي كان يربط اسم المهني بسمعته، وسمعته بمصدر رزقه واستمراره في السوق، مشيرًا إلى أن إعادة بناء هذا العقد تحتاج إلى قرار مؤسسي يجعل اسم الحرفي أصلًا اقتصاديًا يتم حمايته ومحاسبته في الوقت نفسه.
وقال إن المواطن يتحمل في كثير من الحالات تكلفة الخدمة ثم تكلفة إصلاحها، بينما يتحمل الاقتصاد فاتورة الرداءة من خلال انخفاض الإنتاجية وارتفاع الفاقد وتراجع القدرة على المنافسة، مؤكدًا أن استعادة الإتقان يمكن أن تكون واحدة من أقل أدوات النمو تكلفة وأكثرها تأثيرًا، لأنها تبدأ من تحسين جودة العمل نفسه، وتحويل ساعة العمل من مجرد وقت يتم قضاؤه إلى قيمة اقتصادية حقيقية قابلة للإنتاج والمنافسة والتصدير.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض







