رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى



اليوم، ومع تكرار الدعوات إلى تطوير الإعلام المصري، جاء توجيه الرئيس عبد الفتاح السيسي بعقد مؤتمر سنوي في 3 ديسمبر من كل عام، برعايته، لمراجعة أوضاع الإعلام، ومناقشة التحديات والفرص، والخروج بتوصيات عملية تسهم في تطويره وبناء وعي مجتمعي صحيح.
هذا القرار يمنحنا ما يقرب من خمسة أشهر قبل انعقاد المؤتمر، وهي فترة كافية لكي تتحول الدعوة إلى ورشة عمل وطنية حقيقية، تُطرح خلالها الأفكار والمقترحات، بدلاً من الاكتفاء بالشعارات العامة.
ومن هنا أرى أن القضية الأساسية التي يجب أن يناقشها المؤتمر ليست الحرية وحدها، بل مستقبل المهنة نفسها.
كثيرًا ما يُختزل الحديث عن نهضة الإعلام في عبارة "حرية الرأي"، وكأنها المعيار الوحيد لنجاح الصحافة، بينما الحقيقة أكثر عمقًا. فالحرية لا تنفصل عن المسؤولية، وإذا مورست بلا ضوابط مهنية تحولت إلى فوضى، وفقدت قيمتها ورسالتها.
لقد عانت الصحافة في فترات مختلفة من انتشار الشائعات، والتسرع في النشر، والاعتماد على مصادر غير موثقة، بينما تقوم الصحافة الحقيقية على التحقق من المعلومات، والاستماع إلى جميع الأطراف، والاعتراف بالخطأ وتصحيحه عند وقوعه. فالصحافة ليست فوق القانون، وإنما شريك في حماية المجتمع وصناعة الوعي.
لكن الأزمة الأكبر اليوم ليست فقط في حدود الحرية، وإنما في المحتوى."فالقارئ، والمشاهد، والمستمع لا يبحثون عن الضجيج..."
  ولا عن ملاحقة "الترند"، بل يبحث عن معلومة صحيحة، وتحليل عميق، وفكرة جديدة، وتحقيق استقصائي، وملف يضيف إلى معرفته.
إن مستقبل الصحافة لن يصنعه من يلهث خلف الإثارة، وإنما من يمتلك فكرة حقيقية، ويقدم محتوى يحترم عقل القارئ، ويخاطب احتياجات المجتمع، ويبتعد عن التشهير واغتيال السمعة، ويؤمن بأن الإبداع الحقيقي هو تقديم ما ينفع الناس.
كما أن الوقت قد حان للتوقف عن التصنيف التقليدي بين صحافة "قومية" وأخرى "معارضة". فالعالم المتقدم لا يعرف سوى صحافة وطنية مسؤولة، تساند الدولة عندما تصيب، وتنبه إلى الأخطاء عندما تقع، وتطرح الحقائق بموضوعية، دون مزايدة أو خصومة.
ومن الملفات التي تستحق المناقشة أيضًا العلاقة بين الصحافة والإعلان، بحيث لا تتحول المادة الصحفية إلى أداة لمجاملة المعلن أو ابتزازه، لأن استقلال القرار التحريري هو الضمان الحقيقي لاستمرار ثقة القارئ.
ويبقى مطلب أخير لا يقل أهمية عن كل ما سبق: أن يفتح المؤتمر أبوابه لأصوات جديدة. لا نريد أن نشاهد الوجوه نفسها التي تتكرر في كل مناسبة، بينما تمتلك الساحة عشرات الصحفيين الشباب وأصحاب الخبرات الذين لديهم أفكار ورؤى تستحق أن تُسمع.
إن تجديد الإعلام يبدأ بتجديد الأفكار، وتجديد الأفكار يبدأ بتجديد المشاركين في صناعة القرار.
وأثق أن مؤتمر ديسمبر، إذا أُحسن الإعداد له، يمكن أن يكون بداية حقيقية لاستعادة مكانة الصحافة المصرية، شرط أن يكون الحوار واسعًا، وأن تُستمع لكل الأصوات، وأن تتحول التوصيات إلى خطوات تنفيذية، لأن مستقبل الصحافة لن تصنعه الشعارات، بل يصنعه المحتوى الجيد، والعقل المهني، والإرادة الصادقة للتطوير.
تبني الرئيس عبد الفتاح السيسي لهذا المؤتمر السنوي يعكس إدراكًا حقيقيًا بأن الإعلام ليس مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل أحد أهم أدوات بناء الوعي الوطني وصون تماسك الدولة. فالدولة القوية لا تقوم على اقتصاد ومؤسسات فحسب، وإنما تحتاج أيضًا إلى إعلام واعٍ، مستنير، قادر على أن يضيء الطريق أمام المواطن، ويشرح التحديات بصدق، ويطرح الحلول بمسؤولية.
إننا نحتاج إلى إعلام يبتعد عن لغة المجاملات والمحسنات المصطنعة، كما يبتعد عن الإثارة والتهويل، إعلام يقول الحقيقة كما هي، فيدعم الدولة دون تزييف، وينتقد من أجل الإصلاح لا من أجل الهدم، ويجمع ولا يفرق، ويقوي ولا يضعف، ويبني ولا يهدم، ويضيف إلى وعي الناس ولا ينتقص منه. فالإعلام الحقيقي ليس صدىً للأحداث، بل شريك في صناعة المستقبل، ورسالة تنوير تحملها عقول مستنيرة تؤمن بأن الكلمة الصادقة هي خط الدفاع الأول عن الوطن.