رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى



هناك أماكن لا نسكنها فقط، بل تسكننا. مدن تظل معلقة فى الذاكرة مهما ابتعدنا عنها، ونحملها معنا أينما ذهبنا. ومطروح بالنسبة لأبنائها ليست مجرد مدينة على شاطئ البحر، بل جزء من الطفولة والعائلة والذكريات الأولى؛ رائحة البحر عند الغروب، وصوت الأمواج فى ليالى الصيف، وحكايات الأصدقاء على الرمال البيضاء.
وحين يكبر الإنسان ويعود إلى مدينته التى أحبها، لا يبحث عن فندق أو شاطئ أو شارع بعينه، بل يبحث عن ذلك الشعور القديم بالألفة والانتماء، عن المكان الذى كان يمنحه الطمأنينة دون مقابل. لذلك يصبح الحنين موجعًا حين يشعر المرء أن المدينة التى سكنت قلبه طويلًا لم تعد تشبه الصورة التى احتفظ بها فى ذاكرته.
كان الصيف بالنسبة لأبناء مطروح موعدًا للفرح، وموسمًا للحياة، وأيامًا ينتظرها الجميع بشغف. كانت المدينة تستقبل ضيوفها بابتسامة، ويستمتع أهلها ببحرها وشواطئها وأمسياتها الهادئة، دون أن يشعر أحد بأن مدينته قد سُلبت منه.
اليوم تغير المشهد تمامًا.
أصبح كثير من أبناء مطروح لا يحبون الصيف، بل ينتظرون نهايته حتى تعود إليهم مدينتهم من جديد. والغريب أن كثيرًا من ابنائها الذين يعيشون خارجها لظروف عملهم-أنا واحد منهم- ،و اعتادوا قضاء إجازاتهم فيها بدأوا يغيرون مواعيد الزيارة إلى الخريف أو الشتاء، هربًا من الزحام ووارتفاع الأسعار.
قبل سنوات، كان من حق أى مواطن أن ينزل إلى البحر فى مطروح دون أن يشعر أنه يدخل إلى نادٍ خاص أو منتجع مغلق. كنت أحمل شمسيتى الخاصة، أو أذهب وقت الغروب بملابس البحر والمنشفة فقط، وأجلس أمام البحر كما أشاء، دون أن يلاحقنى أحد ليطلب تذكرة دخول، أو يفرض علىَّ استئجار شمسية أو كراسى لا أحتاج إليها.
هذا هو حق المواطن فى مدينته.
أنا لا أطالب بإلغاء الشواطئ الاستثمارية، فهى جزء من التنمية السياحية، لكن لابد أن تظل هناك شواطئ مجانية حقيقية، مفتوحة للجميع، لا يسيطر عليها أحد، ولا يشعر فيها المواطن بأنه يدفع ثمن رؤية البحر.
مطروح التى أعرفها كانت مدينة يعيش فيها البحر مع الناس، لا بحرًا تحيطه البوابات والحواجز والرسوم. كانت المدينة تستقبل ضيوفها دون أن يفقد أهلها حقهم فيها.
وأعترف بأننى لم أزر مطروح فى الصيف منذ سنوات طويلة. ليس لأننى لم أعد أحبها، بل لأننى لم أعد أعرفها. الزحام الخانق، وتكدس الشواطئ، وصعوبة الحركة، كلها جعلتنى أؤجل زيارتى إلى الشتاء والخريف. لكننى، مثل غيرى من أبناء مطروح، أتابع كل ما يحدث فيها خلال الصيف، وأشعر بالحزن كلما رأيت المدينة التى تربينا فيها تتحول إلى مكان لا يشعر أبناؤه أنهم أصحاب الدار.
لسنا ضد السياحة، بل نريد سياحة ناجحة ومستدامة، تحفظ حق السائح فى الاستمتاع، وتحفظ قبل ذلك حق ابن مطروح فى أن يشعر بأن مدينته ما زالت مدينته، وأن البحر الذى نشأ على شاطئه لم يعد بعيدًا عنه بحاجز أو تذكرة أو قرار.
المشكلة ليست فى كثرة الزائرين، فمطروح كانت وستظل مدينة ترحب بضيوفها، والسياحة هى شريان حياة اقتصادها. لكن الأزمة الحقيقية تكمن فى العشوائية التى صاحبت هذا الزحف البشرى الكبير، دون استعدادات توازى حجمه.
شواطئ كانت مفتوحة للجميع أصبحت رسوم دخولها فوق قدرة كثير من الأسر. وشوارع المدينة لم تعد تتحمل هذا الكم الهائل من سيارات الضيوف . أما المرافق العامة فأصبح الضغط عليها يمثل مشكلة يشعر به المواطن والزائر معًا.
وللأسف، بدأت العلاقة بين السائح وأهالى مطروح تتأثر. فالسائح يشكو من الزحام وارتفاع الأسعار وضعف الخدمات، بينما يشعر المواطن بأن مدينته أصبحت خارج سيطرته خلال أشهر الصيف، وأنه فقد حقه الطبيعى فى الاستمتاع بها.
مطروح لا تحتاج إلى تقليل أعداد زائريها، بل تحتاج إلى إدارة احترافية للموسم السياحى، وتنظيم حقيقى للشواطئ، وتوسيع المرافق، وتحسين شبكة الطرق، ووضع ضوابط للأسعار، وخلق شواطئ وخدمات جديدة تستوعب الأعداد المتزايدة.
إن نجاح أى مدينة سياحية لا يقاس بعدد الوافدين إليها فقط، وإنما بقدرتها على تحقيق معادلة صعبة: أن يستمتع السائح بإجازته، وأن يظل المواطن سعيدًا بالعيش فى مدينته.
مطروح تستحق أن تستعيد روحها، وأن يعود الصيف كما كان مصدرًا للبهجة لا موسمًا للمعاناة. فحين ينتظر أهل المدينة انتهاء الصيف حتى تعود إليهم مدينتهم، فهذه ليست مشكلة موسم... بل رسالة تستحق أن نتوقف أمامها.
إن نجاح أى مدينة سياحية لا يقاس بعدد الوافدين إليها فقط، وإنما بقدرتها على تحقيق معادلة صعبة: أن يستمتع السائح بإجازته، وأن يظل المواطن سعيدًا بالعيش فى مدينته.
مطروح تستحق أن تستعيد روحها.
سيظل البحر هناك، بنفس زرقة الماء وصفاء الأفق، وستظل مطروح جميلة كما خلقها الله، لكن جمال المدن لا يُقاس فقط بما تملكه من شواطئ ومناظر خلابة، بل بما تمنحه لأبنائها من إحساس بالانتماء والدفء.
نحلم بمطروح التى تتسع للجميع؛ للسائح الذى جاء يبحث عن الراحة والجمال، ولابن المدينة الذى يريد أن يجلس أمام البحر فيشعر أنه ما زال يعرف الطريق إلى روحه. نحلم بمدينة لا يضطر أبناؤها إلى انتظار الخريف كى يستعيدوها، ولا يشعر فيها أحد بأنه غريب فى المكان الذى شهد خطواته الأولى.
فبعض المدن لا نملكها بشهادة الميلاد فقط، بل نملكها بالحب. ومطروح ستبقى دائمًا تلك المدينة التى تسكن القلب، حتى وإن ظل القلب يحلم بأن تعود إليه كما كانت.