ارض الاوقاف كانت قديما ارضا "مواتا" غير مملوكة لاحد بور وغير ممهدة "تلال واكوام وسباخ" وهى ما يعرف بـ"ارض موات" استصلحها المصريون على امتداد نهر النيل منذ انشاء شبكة الترع والمصارف فى عهد محمد عليّ باشا وحتى نهاية العهد الملكى، ومع قيام ثورة 1952 اصدر الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، قوانين "الاصلاح الزراعى" فى الفترة من 1952 الى 1970 لتوزيع الاراضى على صغار الفلاحين المعدمين فى خطوات هدفت الى انهاء عصر "الاقطاع الزراعى"، وحددت الملكية الزراعية بحد اقصى 200 فدان ثم جرى تخفيضها لاحقا، مع الزام الدولة اعادة توزيع المساحات الزائدة على صغار الفلاحين.
وبحث "جمال عبدالناصر" عن الجهة التى يمكن اسناد هذه الاراضى اليها، فاستقر الرأى بالتنسيق مع "هيئة الاصلاح الزراعى" على منح الاراضى الى وزارة "الاوقاف" كنوع من الهبة لتحصيل رسوم رمزية من المزارعين تمثل "القيمة الايجارية" وتصرف في اوجه الخير، دون ان تمتلك الاوقاف "حجج ملكية" لهذه الاراضى بحسب روايات المزارعين القدامى.
وبدأت القيمة الايجارية لاراضي الاصلاح الزراعي بخمسة وسبعين قرشا للفدان، ثم ارتفعت الى جنيهين ثم ثلاثة جنيهات، ثم عشرة جنيهات ثم خمسين جنيها، حتى وصلت الى ثلاثة عشر الف جنيه فى عام 2019، ومع استمرار رفع القيمة الايجارية دون مراعاة تكاليف الزراعة ومستلزماتها او اسعار "المحاصيل الاستراتيجية" المتدنية التى تحددها الحكومة سنويا، عجز المزارعون عن السداد وتراكمت الديون عليهم وقضى كثيرون منهم فترات خلف القضبان.
ورث الابناء الارض عن الاباء والاجداد ورفض كثير منهم السداد لحجتين اساسيتين، الاولى: ان اجدادهم واباءهم هم من استصلحوا هذه الارض، وهى ميراث جيل بعد جيل، والحجة الثانية: ان هذه الارض "اصلاح زراعى" تتبع "هيئة الاصلاح الزراعى" من الاساس وليست ارض اوقاف، والادهى ان عددا كبيرا من المزارعين يمتلكون "قسائم" و"عقود ملكية" لهذه الاراضى.
فالارض فى الاساس ملك لمن استصلحوها قبل عهد جمال عبدالناصر، وهى اراض "ملاحات مستصلحة" لم تتبع اي جهة الى ان ضمتها "هيئة تنمية استصلاح الاراضي" فى عهده، وفى الوقت نفسه تمارس جهات معنية ضغوطا متعددة على الفلاحين من بينها منع صرف "الاسمدة" من "الجمعيات الزراعية" بزعم انها جمعيات وهمية ومنع تطهير "مجارى المياه"، وخلق عديد من المشاكل حول "كارت الفلاح".
وفي خطوة غير محسوبة اقرت "هيئة الاوقاف المصرية" رفع القيم الايجارية لاراضيها الزراعية خلال العام المالى 2025 2026 بدعوى مواكبة "اسعار السوق" وبفارق زيادة يصل الى 170 % فى بعض المناطق بهدف تعظيم عوائد "اموال الوقق".
وفي قرية العزيزية التابعة لمركز البدرشين جنوب محافظة الجيزة طالبت الاوقاف الاهالى بتوقيع "عقود ايجار" بقيمة 1702 جنيه للقيراط الواحد، بما يعنى ان القيمة الايجارية للفدان الواحد ستصل الى 40.848 ألف سنويا، مع اضافة "رسوم الخفراء" يرتفع المبلغ الى نحو 42 الف جنيه، بخلاف تكاليف الزراعة والتقاوى والاسمدة والرى.
وتخيل ان مزارعين عجزوا عن سداد 13 الف جنيه سنويا منذ عام 2019 ، وتراكمت عليهم الايجارات وتجاوزت "المديونية" لدى البعض 100 الف جنيه ، وصدرت ضدهم "احكام قضائية" ويقضون عقوبات السجن الان، مطالبون بسداد 42 الف جنيه سنويا، الى جانب تكاليف الزراعة وتحقيق هامش ربح يضمن لهم "العيش الكريم" فالسؤال من اين؟.
المزارعون هم شريان الغذاء فى مصر، ولن يحقق الفلاح من الارض 42 الف جنيه فى الموسم الواحد فى ظل اسعار المحاصيل الحالية، حيث لا يتجاوز سعر طن الارز 12 الف جنيه، واردب القمح 2350 جنيها، واردب الذرة 1650 جنيها، واردب السمسم 4000 جنيه، ويبقى السؤال من اين سيعيش المزارع واسرته؟، وهل من العدل او الرحمة ان يعمل كعمال "السخرة" قديما فقط لسداد ديونه للحكومة.
ان زيادة القيمة الايجارية بنسبة 170% تمثل عبئا يفوق قدرة الفلاح المصرى، وتهدد الاف الاسر التى تعتمد على هذه الاراضى كمصدر رزق وحيد كما تشكل تهديدا حقيقيا لـ"الامن الغذائى" المصرى، فحتى القيمة الايجارية الحالية رغم عدالتها النسبية تفوق قدرة بعض الفلاحين، فما بالك بهذه الزيادات التى قد تؤدى الى "غضب شعبي" واسع فى قرى الجمهورية.
ويطالب المزارعون الدولة بتشكيل "لجنة سيادية" تضم خبراء مستقلين وممثلين عن وزارات المالية والاوقاف والزراعة لتحديد القيمة الايجارية العادلة، وفقا لنوعية الارض وقدرتها الانتاجية مع وقف اية "اجراءات اخلاء" او "فسخ تعاقدات" ووضع سياسات عادلة ومرنة تحمى الفلاح واسرته من الفقر والديون والانهيار.