خبير: المخلفات العضوية يمكن أن تتحول من عبء بيئي إلى مصدر دخل
كشف الدكتور أحمد أبو سيد، خبير الطاقة العالمي في أمريكا، عن تطور لافت في تكنولوجيا التعامل مع المخلفات العضوية، يقوم على تحويل مواد كانت تمثل عبئًا بيئيًا إلى مصدر جديد للقيمة الاقتصادية، من خلال احتجاز الكربون الموجود فيها وتخزينه بصورة دائمة في أعماق الأرض، بما يفتح الباب أمام الاستفادة منها في سوق أرصدة الكربون.
وأوضح أبو سيد، لموقع الوفد، أن الفكرة تعتمد على التعامل مع المخلفات العضوية، ومنها الحمأة الناتجة عن محطات معالجة مياه الصرف الصحي، والمخلفات الزراعية والروث الحيواني، باعتبارها مواد تحتوي على كربون يمكن الاحتفاظ به بدلًا من السماح بتحلله وانطلاقه إلى الغلاف الجوي.
وأشار إلى أن التكنولوجيا تقوم على معالجة هذه المخلفات وطحنها وتحويلها إلى خليط يمكن ضخه في أعماق كبيرة تحت سطح الأرض، داخل تكوينات جيولوجية مناسبة، بما يوقف عملية التحلل ويحد من انبعاث الغازات الدفيئة، وفي مقدمتها ثاني أكسيد الكربون والميثان.
وأكد خبير الطاقة أن أهمية هذه التكنولوجيا تكمن في الجمع بين هدفين في وقت واحد، الأول هو التخلص الآمن من كميات كبيرة من المخلفات التي تمثل تحديًا للمدن والقطاع الزراعي، والثاني هو تخزين الكربون بصورة دائمة، وهو ما يجعل المخلفات جزءًا من الحل في مواجهة تغير المناخ بدلًا من كونها مصدرًا إضافيًا للتلوث.
وأوضح أن المخلفات العضوية، وخصوصًا مخلفات الحيوانات والصرف الصحي، يمكن أن تنتج غازات دفيئة عند تركها تتحلل بصورة طبيعية، بينما يتيح التخزين العميق التعامل معها بطريقة مختلفة، تقوم على الاحتفاظ بالكربون داخل الأرض ومنع عودته إلى الغلاف الجوي.
ولفت أبو سيد إلى أن التطور الأهم يتمثل في الجانب الاقتصادي لهذه التكنولوجيا، إذ يمكن للكربون الذي يتم احتجازه وتخزينه بصورة قابلة للقياس والتحقق أن يتحول إلى أرصدة في سوق الكربون، بما يمنح المخلفات قيمة جديدة ويحول تكلفة التخلص منها إلى فرصة اقتصادية.
وأضاف أن سوق الكربون يشهد اهتمامًا متزايدًا من الشركات العالمية، التي تبحث عن مشروعات موثوقة لإزالة الكربون وتعويض جزء من انبعاثاتها، وهو ما يخلق طلبًا متناميًا على التقنيات القادرة على تخزين الكربون بصورة دائمة وقابلة للقياس.
ويرى أبو سيد أن التجربة تفتح الباب أمام إعادة النظر في مفهوم المخلفات، خاصة في الدول التي تمتلك قطاعات زراعية كبيرة وتنتج كميات ضخمة من المخلفات الحيوانية والنباتية، إلى جانب الحمأة الناتجة عن محطات الصرف الصحي، ومن أبرز التطبيقات العملية لهذه التكنولوجيا ما تنفذه “Vaulted Deep” في الولايات المتحدة، والتي تأسست عام 2023 لتوظيف تقنيات حقن المخلفات العضوية في أعماق الأرض ضمن حلول إزالة الكربون.
وأشار إلى أن تحويل هذه المخلفات إلى مصدر لأرصدة الكربون يتطلب توافر منظومة متكاملة تشمل جمع المخلفات ومعالجتها ونقلها وتخزينها وفق معايير علمية وبيئية دقيقة، إلى جانب وجود آليات واضحة لقياس كمية الكربون التي تم احتجازها والتأكد من استدامة تخزينه.
وأكد أن مستقبل الاقتصاد الأخضر لن يعتمد فقط على إنتاج الطاقة من مصادر متجددة، وإنما سيمتد إلى إدارة المخلفات وإزالة الكربون والاستفادة الاقتصادية من الموارد التي كانت تُعامل في السابق باعتبارها نفايات بلا قيمة، حيث يمكن أن تنتقل المخلفات من كونها عبئًا تتحمل الدول والشركات تكلفة التخلص منه إلى مورد جديد في الاقتصاد الأخضر، لتصبح عملية إدارة النفايات جزءًا من منظومة إنتاج القيمة، وليس مجرد عملية للتخلص منها.
واختتم أبو سيد رؤيته بالتأكيد على أن العالم يتجه إلى مرحلة جديدة يصبح فيها الكربون نفسه أصلًا اقتصاديًا، وأن الدول التي تمتلك كميات كبيرة من المخلفات العضوية أمامها فرصة حقيقية لدراسة هذه التقنيات والاستفادة منها، بما يجمع بين حماية البيئة وخلق فرص اقتصادية جديدة، لتتحول النفايات في النهاية من مشكلة بيئية إلى “عملة خضراء” في اقتصاد المستقبل.
وتعود خبرة أبو سيد في هذا المجال إلى سنوات من العمل على تقنيات حقن المخلفات في آبار عميقة، وهي تكنولوجيا بدأت في الأساس للتعامل مع المخلفات الصناعية، قبل أن تتطور تطبيقاتها لتشمل المخلفات العضوية والاستفادة منها في عمليات إزالة الكربون.
وشهدت هذه التكنولوجيا خلال الفترة الأخيرة اهتمامًا دوليًا متزايدًا، بعدما أثبتت قدرتها على التعامل مع كميات كبيرة من المخلفات العضوية، كما حصلت على دعم واستثمارات من شركات تكنولوجية عالمية، إلى جانب الحصول على اعتراف دولي ضمن مسابقات متخصصة في إزالة الكربون.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض







