هناك خطابات تُلقى ثم تنتهي بانتهاء المناسبة، وهناك خطابات تستحق أن تتوقف أمامها الأجيال لأنها تكشف رؤية دولة وتحدد ملامح المستقبل، و توثق مراحل من حياة و تاربخ الشعوب.
ومن هذا النوع جاءت كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال افتتاح "الأوكتاجون"، ليس لأنها ارتبطت بافتتاح صرح عسكري عالمي فحسب، وإنما لأنها حملت رسائل سياسية واقتصادية وثقافية وإعلامية تستحق أن تُقرأ بعناية.
يا كاتب التاريخ... سجّل بكل أمانة أن هذا الرجل لم يكن منشغلاً بإخراج مصر من أزماتها الاقتصادية وحدها، بل كان يفكر في بناء الإنسان، وإعادة تشكيل الوعي، وترسيخ دولة المؤسسات، بالتوازي مع بناء القوة العسكرية والاقتصادية. فمن يتابع كلمته يدرك أنه يتحدث عن مشروع دولة متكامل، لا عن إجراءات متفرقة.
وأولى الرسائل المهمة كانت التأكيد على أن العاصمة الإدارية الجديدة لم تكن مشروعاً عمرانياً فقط، بل جاءت استجابة لدرس قاسٍ عاشته مصر خلال أحداث عام 2011، عندما تعرضت مؤسسات الدولة لضغوط ومحاولات حصار. ومن هنا أوضح الرئيس أن وجود قيادة استراتيجية متطورة داخل العاصمة الجديدة هو جزء من منظومة حماية الدولة وضمان استمرار مؤسساتها في أداء مهامها مهما كانت الظروف.
وفي الوقت نفسه، أكد الرئيس أن قوة الدولة لا تعني البحث عن الصدام، بل إن مصر تتمسك بالسلام، لكنها تمتلك من أسباب القوة والردع ما يحفظ أمنها وسيادتها. إنها معادلة واضحة: السلام مع من يريد السلام، والحزم مع من يهدد الوطن.
ولعل أكثر ما يستحق التوقف أمامه هو أن الرئيس لم يكتفِ بالحديث عن الأمن والدفاع، بل انتقل إلى ملفات بناء المجتمع، موجهاً الحكومة بفتح المجال أمام الحوار الإعلامي الموضوعي، الذي يضم الرأي والرأي الآخر في إطار من المسؤولية والاحترام. كما طرح فكرة عقد اجتماع سنوي برعاية رئيس الجمهورية لمراجعة أوضاع الإعلام المصري، وهي رسالة تؤكد أن الإعلام شريك في بناء الوعي وليس مجرد ناقل للأخبار.
كما جاءت التوجيهات الخاصة بتنشيط الحياة الحزبية، وإجراء انتخابات المجالس المحلية، وإعداد برنامج اقتصادي وطني بعد انتهاء برنامج الإصلاح مع صندوق النقد الدولي، والإسراع في توسيع دور القطاع الخاص، ومكافحة الفساد، وتطوير التعليم، ودعم المشروعات الصغيرة، لتؤكد أن الدولة تستعد للانتقال من مرحلة تثبيت الاستقرار إلى مرحلة الانطلاق نحو التنمية المستدامة.
وتوقف الرئيس مطولاً أمام أحداث 2011، ليس من باب استدعاء الماضي، وإنما لتذكير الأجيال الجديدة بثمن الفوضى. فقد أشار إلى الخسائر الاقتصادية الهائلة، وإلى الحرب ضد الإرهاب التي دفعت فيها مصر دماء أبنائها من الجيش والشرطة والقضاء، دفاعاً عن الوطن. وكانت رسالته واضحة: لا تنسوا الدرس حتى لا يتكرر.
وأعتقد أن الرسالة الأهم لم تكن موجهة إلى الحكومة وحدها، وإنما إلى كل صاحب قلم، وكل إعلامي، وكل مثقف، وكل مسؤول. فقد دعا الرئيس إلى الوضوح مع المواطنين، وإلى بناء الوعي، لأن أخطر ما يواجه الدول ليس نقص الموارد فقط، وإنما غياب الحقيقة وانتشار الشائعات.
إن ما قاله الرئيس لا ينبغي أن يبقى كلمات في سجل المناسبة، بل يجب أن يتحول إلى برنامج عمل تنفذه مؤسسات الدولة، لأن الأفكار العظيمة لا تصنع المستقبل إلا إذا وجدت من يحولها إلى واقع.
انه رئس ينظر للمستقبل و يؤمن الحاضر و لا ينسى دروس الماضى
يا كاتب التاريخ سجل ..لقد اعتاد البعض أن ينظر إلى الرئيس باعتباره منشغلًا بالاقتصاد أو بالمشروعات القومية، لكن كلمته الأخيرة أثبتت أنه ينظر إلى الدولة باعتبارها منظومة متكاملة؛ أمن قوي، واقتصاد قادر، وإعلام مسؤول، وثقافة تصنع الوعي، وتعليم يبني الإنسان، وحياة سياسية أكثر حيوية، وإدارة حديثة تقوم على الشفافية والكفاءة.
وهذه في حد ذاتها رسالة تؤكد أن الدولة التي تبني جيشًا قويًا، تبني في الوقت نفسه عقلًا قويًا، لأن الأمم لا تُصنع بالسلاح وحده، وإنما تصنعها العقول المستنيرة والإرادة الوطنية الصادقة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض
