رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

 

 

لم تعد الضربات المتبادلة بين إيران وإسرائيل مجرد رسائل عسكرية محسوبة، بل دخلت مرحلة أكثر حساسية وخطورة، عنوانها الأبرز هو انتقال الصراع من الأطراف إلى قلب العمق الاستراتيچي.
وفي هذا السياق، جاءت الضربات الصاروخية الإيرانية التي استهدفت محيط ديمونة ومدينة عراد في النقب، لتطرح سؤالا ً بالغ الأهمية:
هل نحن أمام اختراق حقيقي لمنظومة الردع الإسرائيلية .. أم مجرد جولة تصعيد جديدة في حرب طويلة؟

الحقيقة أن ما جرى لا يمكن وصفه بضربة عابرة، ولا يمكن أيضا ً تضخيمه باعتباره تحولا ً حاسما ً، بل هو أقرب إلى نقطة وسط بين الرسالة والاختبار.
فالضربة الإيرانية نجحت في الوصول إلى العمق الإسرائيلي، وهو في حد ذاته تطور مهم، خاصة مع إصابة مناطق سكنية وحدوث خسائر بشرية وإصابات بالعشرات، بما يعكس أن بعض الصواريخ تمكنت من اختراق منظومات الدفاع الجوي، رغم كثافتها وتعدد طبقاتها.
وهنا تكمن أولى الرسائل:
أن السماء الإسرائيلية لم تعد مغلقة تماما ً كما كانت تُصوَّر.

لكن في المقابل، لم تحقق الضربة هدفا ً استراتيجيا ً أكبر، وهو إصابة مفاعل ديمونة نفسه، حيث سقطت الصواريخ في محيطه دون إحداث أي ضرر بالمنشأة النووية، وهو ما يُبقي على التوازن الحرج دون الانزلاق إلى مواجهة نووية أو رد غير محسوب.

وهنا تتضح طبيعة الضربة الإيرانية:
ضربة محسوبة بعناية .. تريد أن تُوجِع دون أن تُفجِّر المشهد بالكامل.

غير أن أخطر ما في هذه الضربة لا يكمن في نتائجها المباشرة، بل في ما كسرته من قواعد غير مكتوبة.
فالعمق الإسرائيلي، الذي كان يُنظر إليه لعقود باعتباره منطقة آمنة نسبيا ً، أصبح الآن ضمن بنك الأهداف المباشر، وهو تطور يحمل أبعادا ً نفسية وسياسية لا تقل خطورة عن البعد العسكري.

ولعل الأهم من ذلك هو ما كشفته هذه الضربة من قابلية منظومات الدفاع للاختراق، ولو بشكل جزئي، وهو ما يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تعقيدا ً في حال تكرار الهجمات بوتيرة أعلى أو بتكتيكات أكثر تطورا ً.

في المقابل، لا يمكن تجاهل أن إسرائيل، بحكم عقيدتها العسكرية، لن تتعامل مع هذا التطور باعتباره حدثا ً عابرا ً، بل كتهديد مباشر لهيبة الردع، وهو ما يفسر سرعة ردها بضربات داخل العمق الإيراني، في محاولة لإعادة تثبيت معادلة الردع ومنع ترسخ هذا النمط من الهجمات.

ومن هنا، ندخل إلى المرحلة الأخطر ؛ مرحلة تبادل الضربات في العمق مقابل العمق.
هذه المرحلة بطبيعتها لا يمكن أن تستمر طويلا ً دون أحد مسارين:
إما احتواء سياسي سريع، أو تصعيد تدريجي قد يخرج عن السيطرة.

وفي قلب هذا المشهد، يبرز سؤال أكبر يتجاوز إيران وإسرائيل معا ً: ماذا بعد؟

إذا استمر هذا النمط من التصعيد، فإننا قد نكون أمام إعادة رسم تدريجي لخريطة الأهداف في المنطقة، بحيث لا تبقى أي دولة بمنأى عن امتدادات الصراع، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
وهنا يصبح الحديث عن الأمن القومي للدول المحيطة – وعلى رأسها مصر – حديثا ً ضروريا ً وليس ترفا ً تحليليا ً.

فمصر، بحكم موقعها وثقلها، ليست بعيدة عن هذه المعادلة، بل تقع في قلب توازناتها.
ومع احتمالات اتساع نطاق الصراع، يصبح من المنطقي التفكير في تعزيز عوامل التأمين الاستراتيچي للجبهات المختلفة، سواء في الاتجاه الجنوبي أو الغربي، ليس من باب التهديد المباشر، ولكن من باب الاستعداد لبيئة إقليمية قد تصبح أكثر سيولة وتعقيدا ً.

وهنا نصل إلى الخلاصة الأهم:
أن ما جرى في ديمونة وعراد ليس مجرد ضربة صاروخية، بل هو إشارة مبكرة إلى تغير قواعد الاشتباك في المنطقة.

فإيران لم تكسر إسرائيل .. لكنها نجحت في كسر جزء من صورة الحصانة.
وإسرائيل لم تُهزم .. لكنها وجدت نفسها أمام معادلة جديدة أكثر إزعاجا ً.

وبين هذا وذاك، يبقى الشرق الأوسط واقفا ً على حافة معادلة دقيقة:
توازن ردع متوتر .. أم بداية طريق نحو مواجهة أوسع لا يمكن التنبؤ بنهايتها.