رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

 

من أخطر ما تشهده المنطقة الآن أن الحرب لم تعد تدور فقط حول مواقع عسكرية أو أهداف تقليدية، بل اقتربت من قلب الشريان الذي يتنفس منه العالم كله ؛؛؛ الطاقة .. وحين تقترب النيران من النفط والغاز، لا يعود الخطر إقليميا ً فقط، بل يصبح دوليا ً بامتياز.
لم يعد ممكنا ً النظر إلى ما يجري باعتباره مجرد تصعيد عسكري قابل للاحتواء بالصيَغ التقليدية ؛ فاستهداف منشآت غاز إيرانية كبرى في بارس الجنوبي وعسلوية، ثم صدور تحذيرات إيرانية لمرافق طاقة في السعودية والإمارات وقطر، يعني أن الصراع انتقل من استهداف القدرات إلى استهداف الشرايين، وهذا تطور بالغ الخطورة لأن الحرب حين تلامس حقول الغاز والنفط فإنها لا تضرب طرفا ً بعينه، بل تهز الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والتجارة البحرية وسلاسل الإمداد في وقت واحد .. وقد أكدت رويترز اليوم أن هذا التصعيد رفع خام برنت إلى 107.38 دولار للبرميل، مع تصاعد المخاوف من تعطل أوسع في الإمدادات.  

المعادلة هنا تغيّرت تماما ً.
حين تكون الأهداف عسكرية بحتة، يبقى هامش الردع متاحاً، ويمكن لكل طرف أن يرسل رسائله تحت سقف معروف نسبيا ً، أما حين تدخل الطاقة إلى بنك الأهداف، فإن كل ضربة تصبح قابلة لأن تولّد سلسلة ارتدادات تتجاوز الميدان إلى البورصات والموانئ وشركات التأمين وأسعار الوقود وكلفة الكهرباء والصناعة والنقل، ولهذا فإن الضربة الأخيرة ليست مجرد حدث عسكري، بل إعلان عن دخول الحرب طورا ً جديدا ً عنوانه: الضغط عبر الاقتصاد الكوني لا عبر الجبهة المباشرة فقط.  

إيران تدرك أن ميزان القوى التقليدي لا يُقرأ فقط بعدد الطائرات والصواريخ، بل أيضا ً بقدرة الطرف الأضعف نسبيا ً على تهديد الحلقة الأكثر حساسية لدى خصومه وحلفائهم، وهذه الحلقة هي أمن الطاقة. أما الخليج، فيدرك في المقابل أن ما منحه وزنا ً استراتيجيا ً استثنائيا ً لعقود، يمكن أن يجعله في لحظة الانفجار الكبرى في قلب مرمى النيران. وأوروبا، التي لم تتعاف بالكامل بعد من توترات الطاقة خلال السنوات الماضية، تعرف أن اضطرابا ً ممتدا ً في نفط الخليج وغازه قد يفتح عليها باب أزمة جديدة لا تحتملها اقتصاديا ً ولا اجتماعيا ً، ولهذا فإن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في حجم الضربة، بل في القاعدة الجديدة التي تحكم المرحلة: من يقترب من الطاقة يقترب من العالم كله.  

والسؤال الذي يجب طرحه الآن ليس: من يملك القدرة على الرد؟
بل: من يستطيع تحمل نتائج الرد إذا خرجت الطاقة من دائرة الأمان؟

في تقديري، هناك ثلاثة مسارات رئيسية أمام الأزمة.

المسار الأول، وهو الأرجح، يتمثل في تصعيد كبير يعقبه كبح اضطراري.
أي أننا قد نشهد مزيدا ً من الضربات والتهديدات والرسائل النارية، وربما عمليات تطال بعض المرافق أو خطوط الإمداد، لكن قبل الوصول إلى الانفجار الكامل ستنشط ضغوط إقليمية ودولية قوية لفرض فرملة على الجميع .. وسبب ترجيح هذا المسار أن أحدا ً لا يحتمل الانفلات الشامل. الخليج لا يحتمل احتراق منشآته الحيوية، وأوروبا لا تحتمل اضطرابا ً عميقا ً في الغاز والنفط، والولايات المتحدة لا تريد أزمة ممتدة تضرب الأسواق والداخل الأمريكي، وحتى إيران تدرك أن الذهاب بعيدا ً في حرب الطاقة قد يدفع أطرافا ً مترددة الآن إلى الاصطفاف ضدها بصورة أوضح.  

المسار الثاني يتمثل في استنزاف طويل تحت سقف الحرب الكبرى.
وفي هذا السيناريو لا تنفجر المنطقة دفعة واحدة، بل تدخل في نمط متكرر من الضربات المحدودة، والتلويح المتبادل، والاضطراب النفسي والاقتصادي المستمر، مع بقاء حقول الطاقة والممرات البحرية تحت تهديد دائم. 
هذا السيناريو بالغ الخطورة لأنه لا يصنع صدمة واحدة فقط، بل يخلق حالة إنهاك متراكم؛ ارتفاع في كلفة الشحن والتأمين، ارتباك في الاستثمار، مزيد من المضاربات في الأسواق، وتآكل تدريجي في الثقة باستقرار المنطقة كلها. وقد أشارت تقارير رويترز خلال مارس إلى تعطلات متكررة في الأعمال والنقل والطاقة في دول الخليج، بما يعكس أن الاستنزاف بدأ يفرض أثره بالفعل.  

أما المسار الثالث، وهو الأخطر، فيتمثل في الانزلاق إلى حرب طاقة وممرات كاملة.
وهنا لا نتحدث عن ضرب منشأة هنا أو تهديد منشأة هناك، بل عن استهداف واسع للبنية الأساسية للطاقة، وتعطل جدي في التصدير، وتهديد الملاحة، وربما شلل ممتد في مضيق هرمز أو مسارات بديلة مرتبطة به. وإذا حدث ذلك، فلن تبقى الأزمة شأنا ً إقليميا ً، لأن هرمز وحده يمس جزءا ً بالغ الأهمية من تجارة النفط العالمية، كما أن توقف الغاز المسال القطري يهدد قرابة خُمس الإمداد العالمي من هذه السلعة الحيوية .. وهذه ليست مبالغة تحليلية، بل تقدير مدعوم بما نشرته رويترز عن توقف تدفقات عبر هرمز بما يؤثر على نحو 10% من الإمدادات العالمية، وعن تعليق قطر إنتاج الغاز المسال مع امتداد المخاطر إلى ما بعد مايو.  

ومن هنا يبرز سؤال شديد الحساسية:
هل يمكن أن تقود هذه الأزمة إلى مراجعة حقيقية لموضوع القواعد الأمريكية في الخليج؟

في تقديري، لا أتوقع في المدى القريب قرارا ً خليجيا ً جماعيا ً بطرد القواعد الأمريكية أو إنهاء وجودها العسكري دفعة واحدة. هذا الاحتمال ما زال بعيدًا، لأن هذه القواعد لا ترتبط فقط بالحماية المباشرة، بل أيضا ً بمنظومات الإنذار المبكر، والتنسيق الاستخباراتي، والدفاع الجوي، والأمن البحري والردع السياسي. 
لكن في المقابل، من الصعب تصور أن تخرج هذه الأزمة من دون أن تترك هزة قوية في الصورة الذهنية القديمة التي كانت تعتبر الوجود الأمريكي ضمانة كافية للحماية ؛ فإذا كانت القواعد موجودة، والمنظومات والتحالفات قائمة، ثم يصل التهديد إلى المنشآت الحيوية والعواصم، فإن السؤال الخليجي سيتحول تدريجيا ً من سؤال الاعتماد إلى سؤال الجدوى. وهذا ليس بالضرورة مقدمة للطرد، لكنه قد يكون مقدمة لإعادة تعريف الدور.  
الأقرب في رأيي هو أن بعض العواصم الخليجية ستفكر في إعادة ضبط وظيفة الوجود الأمريكي، لا إلغائه .. بمعنى أن تبقى القواعد باعتبارها جزءا ً من منظومة دفاعية، لا باعتبارها منصات تستخدم لشن عمليات هجومية تستجلب الرد الإيراني على أراضي الدول المضيفة. 
وهنا تتغير صيغة السؤال من “هل تبقى أمريكا؟” إلى “كيف تبقى؟ وبأي شروط؟ ولخدمة أمن من؟” وإذا ثبت هذا الاتجاه، فنحن أمام بداية مراجعة استراتيجية أعمق في الخليج، لا تقوم على القطيعة مع واشنطن، بل على تخفيف الاعتماد الأحادي عليها، وتنويع الشراكات، وبناء قدرة إقليمية أكثر استقلالا ً في إدارة الأزمات والدفاع عن المصالح. وهذا استنتاج تحليلي من اتجاهات المشهد الحالية، لا قرار معلن حتى الآن.  

أما أوروبا، فموقفها بالغ الدلالة.
فهي لم تكتف هذه المرة بالتعبير عن القلق، بل أظهرت رفض واضح للانخراط العسكري إلى جانب واشنطن في هذه الحرب، مع تمسك بخيار التهدئة والعودة إلى الدبلوماسية. كما أن تقارير رويترز خلال مارس أشارت إلى خشية أوروبية من أن تؤدي الحرب إلى تجدد الجدل حول إمدادات الغاز وارتفاعات الأسعار، وهو ما يفسر لماذا تتعامل أوروبا مع هذا التصعيد باعتباره تهديدا ً مباشرا ً لمصالحها، لا مجرد ملف شرق أوسطي بعيد. 
ومن هنا أرجح أن يتحول الموقف الأوروبي من “رفض المشاركة” إلى “الضغط النشط” لوقف الانحدار، كلما اقترب الخطر من النفط والغاز والملاحة .. وفي هذا السياق تكتسب التحركات الإقليمية وزناً مضاعفا ً، فالاجتماع التشاوري المنعقد في الرياض اليوم بحضور مصر وتركيا وعدد من الدول العربية والإسلامية لا يبدو مجرد لقاء بروتوكولي، بل يعكس إدراكا ً جماعيا ً بأن الخطر خرج من نطاق المواجهة المباشرة وأصبح يهدد أمن المنطقة كلها واستقرارها الاقتصادي. وقد تأكد أن الاجتماع يضم وزراء خارجية من مصر وتركيا ودول خليجية وآسيوية لبحث الأمن والاستقرار، كما جاء بعد ساعات من اعتراض السعودية أربعة صواريخ باليستية فوق الرياض، وهذا يعني أن الاجتماع نفسه يُعقد تحت ضغط نار حقيقية لا مجاز سياسي.  
وجود مصر في هذا السياق يحمل وزنا ً خاصا ً؛ فالقاهرة من الدول القليلة القادرة على الجمع بين خطاب الدولة، وفهم توازنات الأمن العربي، والإدراك العميق لخطورة المساس بمعادلة الطاقة والممرات البحرية على الأمن القومي الإقليمي كله. فاستقرار الخليج ليس منفصلا ً عن استقرار البحر الأحمر، ولا عن قناة السويس، ولا عن البيئة الاستراتيجية العامة التي تتحرك فيها مصر. 
ومن هنا فإن الدور المصري المرجح ليس فقط التحذير من اتساع النار، بل الدفع نحو معادلة تمنع تحول الخليج والممرات البحرية إلى مسرح مفتوح لحرب استنزاف كبرى. حضور تركيا مهم أيضا ً، ولكن من زاوية مختلفة؛ فهي تسعى إلى منع انهيار إقليمي واسع ينعكس على تجارتها وعلاقاتها وموقعها بين الشرق والغرب. والجمع بين مصر وتركيا وبعض العواصم الخليجية قد يفتح باباً 
ً لمسار تهدئة إقليمي أكثر قابلية للحياة من المبادرات المفروضة من الخارج وحده.  

وفي موازاة ذلك، لا ينبغي تجاهل العامل النفسي داخل إسرائيل.
الحديث عن “هجرة عكسية” يحتاج دائما ً إلى تدقيق شديد حتى لا يتحول التوصيف إلى مبالغة، لكن المؤكد أن الحرب حين تتسع، وتطول، وتهز الشعور الداخلي بالأمان، فإنها تمس عنصرا ً حاسما ً في قوة أي دولة ؛؛؛ الثقة المجتمعية في القدرة على الاحتمال. وإذا بدأت قطاعات من المجتمع تشعر أن الداخل لم يعد آمنا ً بالدرجة الكافية، وأن كلفة البقاء ترتفع، فإن ذلك يضغط على صانع القرار، ولو لم يظهر أثره مباشرة في الخطاب العلني. لذلك، حتى إن لم نكن أمام موجة ديموغرافية كاملة، فنحن على الأقل أمام مؤشر نفسي واستراتيجي لا يجوز التقليل من أهميته. وهذا استنتاج تحليلي، لا توجد أمامي الآن بيانات موثقة كافية لأصفه بهجرة واسعة النطاق.

يبقى السؤال الأهم:
كيف يخرج العالم من هذه الأزمة الخطيرة التي لا يبدو أنه قادر على تحمل تبعاتها؟

في تقديري، لن يكون الخروج عبر نصر كامل لأي طرف، ولا عبر كسر كامل لأي طرف.
الحروب التي تقترب من الطاقة والممرات البحرية لا تنتهي عادة بمنطق الغلبة الصافية، بل بمنطق مخرج الضرورة؛ أي الوصول إلى لحظة يقتنع فيها الجميع أن كلفة الاستمرار أصبحت أفدح من كلفة التراجع النسبي. ومن هنا أرى أن أي مخرج واقعي يجب أن يقوم على خمس ركائز متلازمة.

أولها، تحييد منشآت الطاقة بصورة عاجلة وواضحة.
لأن هذا هو الخط الأحمر العالمي الحقيقي. يمكن للعالم أن يتحمل كثيرا ً من التوتر السياسي والاشتباكات المحدودة، لكنه لا يستطيع أن يتحمل طويلا ً حربا ً مفتوحة على النفط والغاز. ومن دون تجميد متبادل لاستهداف الحقول ومحطات المعالجة والتصدير، سيظل أي حديث عن التهدئة منقوصا ً.  

ثانيها، منع الانهيار الكامل في الملاحة.
لأن هرمز ليس مجرد ممر بحري، بل شريان من شرايين الاقتصاد العالمي. وكل يوم يمر تحت تهديد تعطيله يرفع الكلفة على الجميع، ويدفع مزيدا ً من الأطراف إلى التدخل.  

ثالثها، فتح قناة تفاوض غير معلنة بوساطة إقليمية مقبولة.
وربما تكون الرياض، ومعها القاهرة وأنقرة وعواصم أخرى، من أفضل الجهات القادرة على إنتاج هذا النوع من القنوات، لأنها تملك المصلحة والقدرة على إعطاء كل طرف مخرجا ً يحفظ الحد الأدنى من ماء الوجه. وهذا استنتاج تحليلي مبني على طبيعة الاجتماع القائم وتوزيع الأدوار الإقليمية الحالية.  

رابعها، فصل المسارات.
أي عدم الإصرار على حل كل الملفات دفعة واحدة: الطاقة، والملاحة، والاشتباك العسكري، والبرنامج النووي، والقواعد الأجنبية، والنفوذ الإقليمي. لأن ربطها جميعا ً في سلة واحدة يعقد الحل ويطيل أمد الأزمة. أما البدء بالأخطر ثم الانتقال تدريجيا ً إلى ما بعده، فيمنح فرصة حقيقية للاحتواء. وهذا استنتاج تحليلي مستفاد من أن جوهر الخطر الحالي أصبح متركزا ً في الطاقة والممرات.  

خامسها، إعادة تعريف أمن الخليج نفسه.
فما يجري يثبت أن الأمن الإقليمي لا يمكن أن يبقى رهينة تصور مبسط يقوم على وجود قواعد أجنبية وكأن ذلك يكفي وحده لردع كل الأخطار. الأمن الحقيقي يحتاج إلى مزيج من الردع، والتوازن، والدبلوماسية الوقائية، وبناء القدرات الذاتية، وتنويع الشراكات الدولية، وتخفيف الارتهان لأي طرف واحد. وهذا ربما يكون الدرس الأعمق الذي ستخرج به دول الخليج من هذه الأزمة، مهما كان شكل نهايتها.  

كلمة أخيرة ؛؛؛
العالم لم يسقط بعد في الهاوية، لكنه اقترب منها بدرجة مقلقة للغاية .. فحين تدخل الطاقة ساحة الحرب، تصبح كل ضربة أكبر من أثرها المباشر، لأن خزانات الوقود هنا ليست مجرد أهداف، بل مفاتيح لاستقرار دول وشعوب وأسواق بأكملها، والخطر الأكبر أن يظن بعض اللاعبين أنهم ما زالوا قادرين على التحكم في سقف النار بعدما وصلت إلى الشريان نفسه. 
ولهذا فإن المخرج لم يعد مجرد خيار سياسي مفضل، بل أصبح ضرورة عاجلة تفرضها مصلحة الجميع ؛ فالعالم قد يتحمل كثيرا ً من الأزمات، لكنه لا يحتمل بسهولة حربا ً مفتوحة على الطاقة.