رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

حين ننظر إلى المشهد الإقليمي في هذه اللحظة؛ لا يمكن وصفه إلا بأنه لحظة تاريخية شديدة الحساسية، فعدّة أزمات تتقاطع في وقت واحد داخل مساحة جغرافية واحدة، من غزة إلى لبنان، ومن الخليج إلى البحر الأحمر، وكل جبهة تبدو وكأنها جزء من لوحة أكبر تتشكل ملامحها تدريجيا ً أمام أعين العالم.
في مثل هذه اللحظات لا يكون السؤال الحقيقي هو : 
هل توجد حرب أم لا؟
بل يصبح السؤال الأهم: 
هل ما يجري هو إدارة للتوتر تحت سقف الردع، أم أننا نقترب بالفعل من لحظة الانفجار الكبير؟

التحركات العسكرية الأخيرة تعكس هذا التناقض بوضوح. فالقوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، رفعت مستوى جاهزيتها العسكرية في المنطقة إلى درجة لافتة، ومن بين المؤشرات التي لفتت انتباه المراقبين تحرك طائرة القيادة الاستراتيجية الأمريكية Boeing E-6B Mercury، وهي الطائرة المخصصة لضمان استمرار الاتصال والقيادة في حالات الصراع الكبرى، خصوصا ً مع الغواصات النووية الأمريكية.

ظهور مثل هذه الأصول العسكرية لا يعني بالضرورة أن الحرب النووية باتت قريبة، لكنه يعكس حقيقة أكثر عمقا ً، وهي أن القوى الكبرى لا تترك مثل هذه اللحظات الحساسة دون رفع جاهزية منظومات الردع والقيادة لديها.
لكن في المقابل؛ ورغم كل هذه التحركات العسكرية، فإن معظم الأطراف الفاعلة لا تبدو راغبة في حرب شاملة، فتكلفة حرب واسعة في الشرق الأوسط ستكون هائلة، ليس فقط على دول المنطقة، بل على الاقتصاد العالمي بأسره، فالممرات البحرية الحساسة من مضيق هرمز إلى باب المندب تمثل شرايين رئيسية للطاقة والتجارة الدولية وأي اضطراب كبير فيها قد يهز أسواق العالم بشكل عنيف.

لهذا يظهر المشهد الحالي وكأنه حالة من الردع المتوتر.
كل طرف يرفع مستوى جاهزيته العسكرية، ويرسل إشارات قوة واضحة، لكنه في الوقت نفسه يحاول تجنب الخطوة التي قد تدفع الجميع إلى مواجهة مفتوحة.

غير أن أخطر ما في مثل هذه المراحل ليس قرار الحرب نفسه، بل احتمال سوء الحساب؛ ففي بيئة مشحونة بالسلاح والتوتر، قد تتحول حادثة محدودة أو ضربة محسوبة إلى سلسلة من ردود الفعل المتبادلة التي يصعب احتواؤها.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى في المشهد الحالي؛ فالأدوات العسكرية التي يجري نشرها اليوم قد تكون في الوقت نفسه أدوات حرب وأدوات لمنع الحرب.
فالردع في جوهره يقوم على إقناع الطرف الآخر بأن تكلفة التصعيد ستكون أعلى من أي مكسب محتمل، لكن هذا التوازن يظل توازنا ً هشا ً، لأنه يعتمد دائما ً على دقة الحسابات وضبط الأعصاب لدى جميع الأطراف.

من هنا يصبح السؤال الذي يفرض نفسه على كل مراقب للمشهد:
هل ما نشهده اليوم هو مجرد توازن ردع متوتر يمنع الانفجار .. أم أننا نقف بالفعل على أعتاب مرحلة قد تعيد رسم خريطة الصراع في الشرق الأوسط لسنوات طويلة قادمة؟

الإجابة عن هذا السؤال قد لا تتضح في البيانات السياسية ولا في التصريحات الإعلامية، بل في كيفية إدارة الأطراف المختلفة لهذه اللحظة الدقيقة؛ حيث قد يصنع قرار واحد، أو خطأ واحد، فارقا ً بين استمرار التوازن .. أو بداية حرب كبرى.