"الوفد" تحاور زوجة عميد الأسرى ومسعف الأشلاء والنازحين
غزة تودع رمضان بأطباق الحنين وأمانٍ مبتورة تحت الركام (ملف إنساني)
تُودّع غزة رمضانها للعام الثالث على التوالي بدمائها وجوعها وأوجاعها التي لم تترك في الروح موضعًا لندبةٍ جديدة، كحسناء صائمة تزيّن مائدتها بأكاليل الصبر، وتوزع الحنين في أطباق فارغة، تكسر جوعها بدمع الفراق فوقَ الأنقاض، وتغمس تمرة الإفطار في مِلح الفجيعة ونصل السكين.
اقرأ أيضًا:
- دماء على "ثوب الطفولة"
- هنا أرض البطون الخاوية| حكايات الجوع في غزة
- «الوفد» حلقة الوصل بين الأسير المحرر حسام الزعانين وعائلته بالقاهرة
- شهادات حية عن قهر سجون الاحتلال.. القيد لا يكسر حرائر فلسطين
- غزة تتنفس.. «الوفد» تكتب من قلب الدمار شهادة الحياة
لقد تبدل رمضان في غزة؛ فلم يعد شهر "اللمّة"، وإنما صار موسمًا للعَدّ؛ عدّ المقاعد الفارغة، والأسماء الغائبة، والبيوت التي سقطت سُقوفها فوق أحلام ساكنيها قبل أن تلمس حجارتها الأرض.
فمن خيمةٍ في الجنوب، إلى بيتٍ مهدّم في الشمال، ومن أسيرٍ مُبعد يصوم وحيدًا خارج وطنه يتحرى ليلة القدر بعيدًا عن أهله، إلى أب نجا وبقيت عائلته تحت الأنقاض.. تتشابه الحكايات كما تتشابه الخيام؛ كلها مؤقتة، وكلها مثقلة بما لا يُقال.
في هذا الملف الإنساني نرصد كيف مضى رمضان على غزة بعد الحرب، ولأن الوجع لا يكتمل إلا حين يُروى بلسان أصحابه، فقد طرقت "الوفد" أبواب القلوب المتعبة، وحاورت هؤلاء الذين يقتاتون على فتات الذكريات، لتوثق تفاصيل حياتهم التي سُرقت، وتنقل أمانيهم المبتورة في خواتيم هذا الشهر الفضيل.

صيام المنفى
أمان نافع: "نائل الرغوثي يصوم رمضان وحيدًا.. والاحتلال بدّد فرحة التحرر بمرارة الإبعاد"
روت "أمان نافع"، زوجة عميد الأسرى نائل البرغوثي لـ"الوفد" حكاية فرحة وُلدت من رحم المعاناة لكنها وُئدت بقرار الإبعاد.
نائل البرغوثي، أقدم أسير فلسطيني، تحرر في "وفاء الأحرار" عام 2011 ليجد والديه قد رحلا، أعيد اعتقاله في 2014، ليقضي سنوات أخرى خلف القضبان قبل أن يتحرر ثانية في 27 فبراير 2025، لكن فرحة الحرية كانت مبتورة عندما قرر الاحتلال إبعاده عن وطنه وأهله.

قالت زوجته "أمان نافع" بمرارة: "رمضان هذا العام هو الثاني الذي يقضيه نائل وحيدًا بعد إبعاده، والثاني الذي أُمنع فيه من السفر إليه دون مبرر.. حاولت ثلاث مرات، وفي كل مرة يُعاد منعي، رغم أنني كنت أسافر سابقًا دون مشاكل؛ فالاحتلال يمنع مئات الزوجات من السفر للقاء أزواجهن المبعدين بلا حجة، سوى الرغبة في العقاب الجماعي".
وأضافت بصوت تختلط فيه المرارة بالأمل: "عاقبوا أزواجنا، فعاقبونا نحن أيضًا؛ عاقبوا الأطفال، والأمهات الكبيرات في السن.. مرّ عام كامل ولم يُسمح للأطفال بلقاء آبائهم، نأمل أن يأتي رمضان القادم ونحن معهم فهذا حق، لا منّة".

تذكّرت "أمان" بأسى كيف كان قضى نائل رمضان في السجن، والآن يصومه وحيدًا في الغربة، قائلة: "نحاول تذكر أيامنا خارج السجن، كيف كنا نفطر ونخرج معًا.. حتى عندما كان تحت الإقامة الجبرية في رام الله، كنت معه، بينما اليوم يقضي نائل رمضانه تارة في مصر وتارة في تركيا، معزولًا عن "اللمة" التي اعتادها الفلسطينيون.
واختتمت "أمان نافع" حديثها بمناشدة لكسر هذا القيد، مؤكدة أن "قوة فلسطين من قوة مصر"، داعيةً للضغط لإنهاء عقوبة الحرمان من اللقاء.

إفطار على الغياب
سعيد أبو العيش: أنتظر أذان المغرب كأنه وعد بعودة الراحلين
وبكلماتٍ تختنق بالعبرات، وصف "سعيد أبو العيش"، الناجي الذي فقد زوجته وبناته وجميع أفراد أسرته في قصف منزلهم، لـ"الوفد" طعم رمضان هذا العام، قائلًا: "رمضان هالسنة مر علينا بطعم مختلف، الفراغ الكبير مش في الأكل، الفراغ في الناس اللي كانوا حوالينا".
وأضاف "سعيد" بأسى: "اليوم الواحد منا يجلس في مكان ليس مكانه، وفي بيت ليس بيته، ينتظر الآذان بينما ذكرياته تعمل أكثر من كلامه".

وتابع: "في بيوت كتير في غزة صارت تفتقد هاللمة، السفرة ناقصها وجوه تعودنا عليها، وبعد ما فقدتهم حتى الأيام العادية تغيرت وصرت أتذكرهم واحد واحد".
رغم الوجع، يحاول سعيد أن يكون سندًا لمن تبقى من عائلته، مؤكدًا: "كل بيت في غزة موجوع، وكل سفرة تحمل خلفها قصة وجع عميقة".
واختتم حديثه بالدعاء لأحبته الذين رحلوا: "للدور روح كما للناس أرواح، غفر الله لأحبتي الذين لن ينطفئ نورهم أبدًا".

جراح مفتوحة
رائد حمادة: "رمضان هذا العام مائدة بلا سبعة عشر وجهًا"
"رائد حمادة"، المسعف الذي واجه الموت مئات المرات لإنقاذ الغرباء، وجد نفسه عاجزًا أمام فاجعة بيته، استشهدت زوجته وأمه وبناته وأبناء أخيه، ليبلغ عدد الشهداء من أهله 17 شهيدًا.
قال "رائد" في حديثه لـ"الوفد": "شهر رمضان موت قاتل صامت لقلبي، أعيش على أمل مملوء بالأوهام كأني أنتظر عودة أسرتي"، لافتًا إلى أن كل طفلٍ في الشارع يُذكّره بأطفاله، وكل أمّ تحمل طفلتها تجعله يستأذن ليحملها لحظة، كأنه يبحث عن حضن سُرق منه.

تحدث "رائد" عن يوم 4 ديسمبر 2023، حين استُدعي للمستشفى لإنقاذ ضحايا مجزرة، ليكتشف أن المجزرة كانت في بيته المكون من ثلاثة طوابق: "دعوت الله دعوة واحدة واستجاب لي: يا رب أنقذ الأيتام (أبناء أخي الذين ربيتهم 16 عامًا) لأكمل مسيرة حياتي، وفعلًا نجوا، لكن بناتي مريم وسيليا وحمدي وشام رحلوا.. وزوجتي استشهدت وهي حامل في شهرها التاسع".
ووصف "رائد" كيف انتشل ابنة أخيه اليتيمة وهي "طايرة" في بيت الجيران، بينما لا يزال يبحث عن أشلاء بناته تحت الأنقاض.
وأضاف: "نعيش أيامًا لا يصفها الكلام، تحولت أحلامنا إلى آلام.. كنت أعتقد أنني ضيف وسألحق بهم، خاصة بعد إصابتي ثلاث مرات أثناء عملي الطبي".
"رائد" الذي يعاني من أرقٍ مزمن ولا ينام إلا بجرعات مكثفة من المنومات، اختتم حديثه بمناشدة إنسانية: "دمّروا الماضي والحاضر والمستقبل.. أصبحت عاجزًا حتى عن أجرة القبور، ونفسي أحكي للرئيس السيسي أنني فقدت كل شيء وأنا الآن بين خيارين: توفير العلاج.. أو الموت".

شتات رمضان
أمل البطنيجي: التشتت قمة التجبر.. وحرمونا حتى من "اللمة" تحت الأنقاض
ومن تل الهوى غرب غزة، تحدثت "أمل البطنيجي" لـ"الوفد" عن مفارقة موجعة بين رمضان الماضي وهذا العام، فرمضان العام الماضي قضوه في بيتهم المدمّر، لكنهم كانوا سعداء لأنهم معًا، ورمّموا بيتهم شهرين كاملين، أعادوه للحياة وسط الدمار، علقوا زينة خجولة على الأنقاض، وأدوا صلاة التراويح جماعة، وتبادلوا الزيارات رغم كل شيء.. أما اليوم، فقد أجبرهم النزوح القسري على التشتت".


قالت أمل: "قمة الظلم والتجبر أن تضطر لترك بيتك وأشيائك المحببة وتخرج إلى الفضاء ولا شيء غيره.. نحن نحيا معاناة التشتت وصعوبة الاجتماع بالأخوة والأقارب وبناتنا المتزوجات، فكل أسرة حاولت أن تجد لها مكانًا مستقرًا".
وأضافت: "اليوم، العائلات موزعة في مناطق متفرقة، والمواصلات باهظة، والأسعار ترتفع بلا مبرر، ومعظم الناس استهلكوا مدخراتهم خلال سنوات الحرب.. كل بيت تقريبًا له نصيب من الفقد.. وكل سفرة فيها مكانٌ فارغ لا يملؤه أحد".

واختتمت بدعاءٍ يختصر حال الغزيين: "نفتقد أخي الطيب في كل وقت، وأعان الله من فقدوا أسرهم بكاملها، هؤلاء والله لا تقوى كلمات على وصف حالهم.. نسأل الله أن يعوضنا عن كل فقد وألم".


إنها حكايات غزة التي لا تنتهي، حيث الموائد مرثيات، واللقيمات ممزوجة ذكرى الراحلين.. ففي كل خيمة وبيت مهدم، قصة "فقد" تأبى النسيان، وأملٌ ينبت من بين الأنقاض بأن يأتي رمضان القادم وقد التأم الشمل وانزاحت الغمة.

تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض