د ناديه
إلى متى يعيش الاقتصاد على الدَّين بينما المصانع صامته؟
في كل مرة ترتفع فيها الأسعار أو يقفز الدولار أو تتزايد الضرائب، يُقال للمواطن إن السبب هو الظروف العالميه: حرب هنا، أزمة هناك، اضطراب في الأسواق الدوليه.
لكن الحقيقه التي لم يعد من الممكن تجاهلها هي أن الأزمة أعمق بكثير من مجرد ظروف خارجيه.
السؤال الحقيقي الذي يجب أن يُطرح اليوم بلا مواربه
هو : هل يدير الاقتصاد المصري نفسه بعقلية الإنتاج… أم بعقلية القروض؟
الأرقام لا تجامل أحداً.
قبل أقل من عشر سنوات فقط، كان الدين الخارجي لمصر يدور حول 46 مليار دولار.
اليوم تجاوز 160 مليار دولار.
أما الدين المحلي فقد قفز إلى أكثر من 12 تريليون جنيه.
هذه الأرقام لا تعني مجرد زيادة في الديون، بل تعني شيئاً أخطر بكثير:
تحول الاقتصاد تدريجياً إلى اقتصاد يعيش على الاقتراض.
والنتيجه واضحه في الموازنه العامه للدوله:
فوائد الديون أصبحت أكبر بند في الإنفاق الحكومي.
بمعنى أبسط:
جزء ضخم من الضرائب التي يدفعها المصريون لا يذهب إلى المدارس ولا المستشفيات ولا المصانع…
بل يذهب مباشرة إلى البنوك والدائنين.
هذا ليس نمواً اقتصادياً.
هذا اقتصاد يستهلك مستقبله مقدماً.
الأخطر من ذلك أن القروض في الاقتصادات الناجحه ليست مشكله في حد ذاتها.
الولايات المتحده تقترض، واليابان تقترض، وحتى الاقتصادات الصاعده تقترض.
لكن الفرق الجوهري أن تلك الدول تقترض لتبني اقتصاد إنتاج.
القروض هناك تذهب إلى: مصانع ؛ تكنولوجيا ؛ بحث علمي ؛ صادرات؛ صناعات متقدمه
أما في الاقتصادات التي تتعثر، فإن القروض غالباً ما تذهب إلى قطاعات لا تولد دخلاً سريعاً ولا تضيف قوه حقيقيه للاقتصاد.
وهنا يبدأ الاقتصاد في الدوران داخل الحلقه الأخطر في علم الاقتصاد:
حلقة الديون المغلقه.
نقترض لتمويل العجز.
ثم نقترض لسداد فوائد القروض السابقه.
ثم نقترض مرة أخرى لأن العجز يتسع.
وهكذا يتحول الاقتصاد إلى ماكينه للاقتراض بدلاً من أن يكون ماكينه للإنتاج.
لكن المفارقه المؤلمه أن مصر ليست دولة عاجزه عن الإنتاج.
مصر تمتلك سوقاً ضخماً يتجاوز 105 ملايين مستهلك.
تمتلك موقعاً جغرافياً يربط آسيا وأفريقيا وأوروبا.
تمتلك واحداً من أهم الممرات التجارية في العالم تمر عبره نحو 12٪ من التجارة العالميه.
هذه ليست إمكانات دوله هامشيه.
هذه إمكانات دوله كان يمكن أن تكون مركزاً صناعياً ولوجستياً عالمياً.
لكن التجارب الدوليه تثبت حقيقيه واحده لا تقبل الجدل:
الدول لا تنهض بالبنيه التحتيه وحدها… بل تنهض بالصناعه والتصدير.
كوريا الجنوبية كانت في الستينيات دولة فقيره وممزقة بعد الحرب.
لكنها اتخذت قراراً تاريخياً: تحويل الاقتصاد إلى ماكينة تصدير.
اليوم تصدر كوريا ما يزيد على 700 مليار دولار سنوياً.
فيتنام كانت ساحة حرب مدمره حتى سبعينيات القرن الماضي.
لكنها ركزت على جذب الصناعه العالميه.
اليوم صادراتها تتجاوز 350 مليار دولار.
تركيا بنت اقتصادها على قاعدة صناعية ضخمة تخدم الأسواق الأوروبيه.
واليوم تتجاوز صادراتها 250 مليار دولار سنوياً.
أما مصر، بكل حجمها وموقعها وسوقها الضخم، فما زالت صادراتها تدور حول أقل من 50 مليار دولار.
الفارق هنا ليس في الموارد… بل في الاختيارات الاقتصاديه.
الدول التي نجحت اتخذت قراراً واضحاً:
اقتصاد يقوده الإنتاج.
بينما الاقتصاد الذي يعتمد على القروض يفعل العكس تماماً:
يؤجل المشكله إلى المستقبل… حتى تصبح أكبر وأكثر تعقيداً.
الاقتصاد الحقيقي لا يقاس بعدد الطرق والكباري فقط، بل بعدد المصانع التي تعمل، وعدد المنتجات التي تنافس في الأسواق العالميه، وعدد الشركات التي تستطيع جلب العملة الصعبه.
كل مصنع جديد يعني فرص عمل.
كل منتج يتم تصديره يعني دولاراً يدخل الاقتصاد.
كل شركة تنجح عالمياً تعني اقتصاداً أقوى وأقل اعتماداً على القروض.
لهذا السبب فإن المعركه الحقيقيه اليوم ليست معركة سعر صرف أو رفع فائده أو زيادة ضرائب.
المعركه الحقيقيه هي اختيار النموذج الاقتصادي نفسه.
هل نريد اقتصاداً يعيش على الاقتراض؟
أم اقتصاداً يعيش على الإنتاج؟
الفرق بين النموذجين ليس نظرياً.
اقتصاد القروض يعيش دائماً تحت ضغط الدائنين، ويظل المواطن فيه يدفع ثمن الديون عبر التضخم والضرائب وارتفاع الأسعار.
أما اقتصاد الإنتاج فيصنع ثروته بنفسه، ويولد دخلاً حقيقياً، ويخلق فرصاً للمجتمع كله.
مصر تقف اليوم أمام مفترق طرق اقتصادي واضح.
إما أن تتحول إلى اقتصاد إنتاج يقوده الاستثمار والصناعة والتصدير…
أو تستمر في الدوران داخل دائرة الديون.
والتاريخ الاقتصادي يعلمنا درساً قاسياً لكنه واضح:
الدول التي تؤجل إصلاح نموذجها الاقتصادي تدفع في النهاية ثمناً أكبر بكثير مما كانت تتخيل.
ولهذا يبقى السؤال الذي لا يمكن الهروب منه طويلاً:
هل نملك الشجاعه للانتقال من اقتصاد القروض إلى اقتصاد الإنتاج… قبل أن يحدث مالا يحمد عقباه ؟
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض
