رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

اغتيال التفكير

 

نعيش اليوم، يا صديقي القارئ، في عالمٍ لم يعد يكتفي بالضوضاء الصوتية، بل خلق ضجيجًا من نوعٍ آخر؛ ضجيجًا ذهنيًا يلاحق الإنسان في كل اتجاه. الأخبار تتسابق، المحتوى يتكاثر، الشاشات تلمع بلا توقف، وحتى داخلنا تتدافع الأفكار كما لو أن أحدًا ضغط زرًا لتشغيل العالم بأقصى سرعة. ومع هذا التدفق الهائل، يختفي شيء أساسي جدًا... القدرة على التفكير.

فالضجيج الحديث، يا عزيزي، لا يكتفي بشغل اللحظة، بل يسعى إلى احتلال الوعي نفسه. إنه ضجيج يعرف كيف يشتّت، ويغطي على الأسئلة العميقة، ويربك الإنسان حتى يصبح عاجزًا عن سماع صوته الداخلي. عندها لا يعود المرء قادرًا على التمييز بين ما يريد وما يُراد له، ولا بين ما يعتقد وما يتكرر أمامه حتى يبدو كأنه حقيقة. وهنا تذكّرنا الفلسفة بأن الخطر ليس في كثرة المعلومات، بل في غياب المساحة التي تُمنح للفكرة كي تتنفس.

الضجيج، بهذا المعنى، يصبح طريقة لإلغاء التفكير دون أن يشعر الإنسان. لا يحتاج أحد، يا صديقي، إلى أن يمنعك من استخدام عقلك صراحة؛ يكفي أن يُغرقك في محتوى متلاحق وصور وأخبار عاجلة حتى تصبح مستهلكًا دائمًا ومتوتّرًا باستمرار، غير قادر على الوقوف لحظة خارج المشهد. التفكير يحتاج فراغًا، والصمت أصبح نادرًا، ولذلك تتآكل القدرة على الفهم تدريجيًا من دون أن نلاحظ.

وسط هذا الازدحام، تأتي الفلسفة بوصفها فعل صمت. ليست صمتًا هاربًا من العالم، يا عزيزي القارئ، بل صمتًا يقف في مواجهته. الفلسفة هي اللحظة التي يُعاد فيها ترتيب الضوضاء في أذهاننا كي نرى ما الذي يستحق الانتباه وما هو مجرد تشويش. إنها ليست رفاهية فكرية، بل ضرورة لإنقاذ العقل من أن يتحول إلى سطحٍ تلتصق به الأصوات دون أن تترك أثرًا.

فالإنسان الذي ينساق وراء الضجيج يفقد تدريجيًا حسّه النقدي. يصبح ردّ فعله أسرع من فهمه، وانفعاله أقوى من منطقه. أما الإنسان الذي يقترب أكثر من ذاته، يا صديقي، فيستعيد شيئًا من هدوئه ويبدأ في طرح الأسئلة التي يخشاها الضجيج: لماذا أرى هذا؟ لماذا أشعر بهذا؟ ولماذا أصدق ذاك؟ هذه الأسئلة الصغيرة هي البدايات الحقيقية لاستعادة السيطرة على وعينا.

الضجيج لا يُلغى بضغطة زر، لأنه ليس مجرد أصوات، بل نمط حياة. لكن التفكير يمكن أن يعود حين نمنح أنفسنا القدرة على الإصغاء. أحيانًا يكفي، يا صديقي القارئ، أن نتوقف دقيقة عن الجري ونراقب ما يجري في داخلنا. ففي عالم يدفعنا لنكون مجرد ردود فعل، تصبح لحظة التفكير فعلًا من أفعال المقاومة الهادئة.

وفي النهاية، ينتصر منطق الضجيج حين يتحول الإنسان إلى صدى لا صوتًا. أما حين نختار أن نفكر، ولو ببطء، فإننا نعيد للعقل مكانته وللإنسان إنسانيته. عندها نفهم أن التفكير ليس ترفًا... بل نجاة.

******************************

بقلم/ محمد جادالله

كاتب في السرديات الثقافية وقضايا الشرق الأوسط

[email protected]