رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

ما يحدث في مجالس أمناء المدن الجديدة لم يعد خللًا إداريًا يمكن احتواؤه، ولا تجاوزًا عابرًا يُعالج بالمسكنات. نحن أمام خطر حقيقي يهدد فكرة الدوله نفسها: خطر تداخل السلطات، وتمدّد شبكات المصالح، وتحويل كيانات خُصصت لخدمة المواطنين إلى غرف مغلقة لإدارة النفوذ.
هذه ليست مبالغة، ولا لغة تصعيد، بل توصيف دقيق لواقع يُدار بعقلية خطيرة:
من يراقب… يُدير. ومن يُدير… يوقّع. ومن يوقّع… لا يُسأل.
مجالس أمناء المدن الجديدة ليست جمعيات خيرية، ولا منتديات اجتماعية، ولا مناصب شرفية، هي مجالس تمارس صلاحيات تنظيمية ومالية، تشارك في إدارة المدينة، وتؤثر في قرارات الإنفاق، وتحدد مسارات التنمية، وتتعامل مع المستثمرين، وتُسهم في رسم مستقبل مئات الآلاف من المواطنين. أي أنها—بلا مواربة—جزء من السلطة التنفيذية.
ومن هنا، تصبح الكارثة واضحة:
كيف يُسمح بتداخل هذه المجالس مع سلطات رقابية أو تشريعية وخاصة أن المعلوم لنا جميعا حكومة وشعبا أن الأغلبية في مجلس النواب هي للمطورين العقاريين والمستثمرين طبقا لمعايير الترشح التي فرضتها الأغلبية الزائفة رغم رفض الشعب المصري للغة المال والمصالح؟
كيف يُطلب من يجلس على طاولة الصرف والقرار أن يراقب نفسه؟
وأي معنى يتبقى للرقابة، إذا تحولت إلى شراكة مصالح؟
هذا هو تعريف تضارب المصالح في أبسط صورة، وأكثرها فجاجة.
وهذا هو الطريق الأسرع لتحويل المدن الجديدة إلى مشروعات تُدار بالهاتف، لا بالقانون، وبالتفاهمات، لا بالمؤسسات.
الأسوأ من الفعل، هو الاعتياد عليه.
حين يصبح الجمع بين المواقع “أمرًا واقعًا”.
وحين تُبرَّر المخالفات بحجج الخبرة أو حسن النية، وحين يُطلب من الرأي العام الصمت بدعوى الاستقرار.
هنا نكون قد دخلنا المنطقة الأخطر:
منطقة الفساد المقنن، حيث لا تُسرق الأموال في الظلام، بل تُدار المصالح في النور، تحت غطاء قانوني مُفرغ من روحه.
شبكات المصالح لا تحتاج إلى إعلان.
تُبنى خطوة خطوة:
مقعد هنا، توقيع هناك، منصب إضافي، غياب مساءلة، ثم مدينة تُدار لحساب قلة، لا لحساب الدولة.
والسؤال الذي لا يجوز الهروب منه:
من يدفع الثمن؟
سكان المدن الجديدة الذين يدفعون ثمن خدمات لا تُقدم، وبنية تحتية تُدار بمنطق الربح، وقرارات لا يشاركون في صنعها.
لهذا، لم يعد مقبولًا التأجيل أو التدوير أو تشكيل لجان “لدراسة الأمر”.
المطلوب قرارات فورية وحاسمة.
أولًا: حظر فوري وقاطع لأي جمع بين مواقع رقابية أو تشريعية وأي دور تنفيذي أو مالي في مجالس المدن الجديدة، دون استثناءات، ودون مسميات ملتوية.
ثانيًا: إعادة تشكيل عاجلة لكل مجالس الأمناء التي شابها تضارب مصالح، ومراجعة قانونية مستقلة لتشكيلاتها وقراراتها السابقة.
ثالثًا: نشر علني كامل لأسماء الأعضاء، وصفاتهم، واختصاصاتهم، وسلطاتهم المالية، ليعرف المواطن من يُدير مدينته وبأي صفة.
رابعًا: إخراج المستثمر من موقع القرار التنظيمي. الاستثمار شريك في التنمية، نعم، لكنه لا يجوز أن يكون الحكم واللاعب معًا.
خامسًا: رقابة حقيقية لا تجميلية، بتقارير دورية علنية، ومساءلة لا تتوقف عند الموظف الصغير، بل تصل إلى صانع القرار.
إن الدولة التي تريد مدنًا حديثة، لا يمكن أن تُدار بعقلية قديمة.
والتنميه التي تُبنى على تضارب المصالح، تنهار عند أول اختبار.
هذه ليست معركة سياسية، بل معركة دولة.
إما مؤسسات واضحة وحدود صارمة، أو مجالس مغلقة وشبكات نفوذ بلا رقيب.
والوقت—بصراحة—لم يعد في صالح الصمت.