حين يتحدث التاريخ، تصمت الجغرافيا للحظة، لكنها في إقليمنا الملتهب تأبى إلا أن تكون هي سيدة الموقف. نحن اليوم أمام مشهد لم يعد يحتمل الترف الفكري أو الانتظار خلف خطوط الترقب؛ فنيران الصراع التي تندلع اليوم في الخليج بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، ليست مجرد "مبارزة دولية" على رقعة شطرنج بعيدة، بل هي زلزال جيوسياسي تضرب موجاته الارتدادية عمق الدولة المصرية، اقتصاداً وأمناً واستراتيجية.
لقد وضع الرئيس عبد الفتاح السيسي النقاط فوق الحروف، خلال حفل "إفطار الأسرة المصرية" (السبت ١٤ مارس ٢٠٢٦)، حين صارح الشعب بأن "الأجواء الملتهبة ألقت بظلالها الثقيلة على الاقتصاد العالمي، ومصر لم تكن بمنأى عنها". هذه المكاشفة الرئاسية، التي نقلتها وكالة أنباء الشرق الأوسط (أ ش أ)، لم تكن مجرد توصيف للأزمة، بل كانت بمثابة إعلان "حالة طوارئ استراتيجية" تتطلب إجراءات حكومية غير تقليدية لتجاوز هذا المنعطف التاريخي.
إن قراءة المشهد تفرض على الحكومة المصرية التحرك في مسارات متوازية؛ الأول هو "مسار التحوط المالي"، حيث بات لزاماً تنويع سلة العملات والاحتياطيات لامتصاص صدمة الدولار التي قد تنتج عن تعطل إمدادات النفط عبر مضيق هرمز. والمسار الثاني هو "تأمين الشرايين"، فخسارة نحو ١٢ مليار دولار من إيرادات قناة السويس -كما ألمحت التقارير الرسمية- تتطلب إعادة صياغة لسياسات الملاحة وتأمين مسارات بديلة بالتعاون مع القوى الإقليمية لضمان عدم تحول البحر الأحمر إلى "بحيرة مغلقة".
علاوة على ذلك، فإن مقترح "التوطين الصناعي السريع" لم يعد خياراً، بل ضرورة لتقليل فاتورة الاستيراد التي تضخمت بفعل قفزات أسعار الطاقة العالمية. إن الحكومة مطالبة اليوم بخلق "اقتصاد حرب" بالمعنى التنموي، أي تعظيم المكون المحلي وحماية الطبقات المتوسطة والمحدودة من "تضخم مستورد" لا يد لهم فيه، وهو ما تجسد في الحزمة الاجتماعية التي أعلن عنها الرئيس لمواجهة آثار هذه "الحرب التي ستطال الجميع بلا استثناء".
إن مصر، وهي تدير أزمتها، لا تنسى دورها كـ "حائط صد" أخير للأمن القومي العربي. فتأكيد الرئيس على أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من أمن مصر، هو رسالة ردع سياسي تهدف إلى منع انزلاق المنطقة نحو الانفجار الكامل، لأن مصر تدرك بيقين الجغرافيا وحتمية التاريخ أن "الحرائق الإقليمية لا تحترم الحدود".
الخلاصة
تتطلب مواجهة تداعيات صراع الخليج تحركاً حكومياً عاجلاً يرتكز على المكاشفة السياسية، وتعزيز المخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية والطاقة، مع تفعيل أدوات التحوط المالي لحماية الجنيه. إن الأزمة الراهنة تفرض تسريع وتيرة الاعتماد على الذات صناعياً وزراعياً، بالتوازي مع دور دبلوماسي نشط لنزع فتيل الانفجار الإقليمي الذي يهدد استقرار الملاحة الدولية وموارد الدولة السيادية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض