رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

 

من قال إن الأوطان تقاس فقط بالكباري والخرسانة والأرقام التي تتلى في المؤتمرات؟ الأوطان تقاس أولا بقدرة الناس على العيش بكرامة، وبحقهم في أن يجدوا ثمن الطعام والدواء والإيجار دون أن يهزموا كل يوم أمام السوق والفاتورة والراتب الهزيل.

نحن لا نعيش أزمة أسعار عابرة، بل نعيش لحظة اختناق كاملة، سلطة تتحدث بلغة الإنجازات، وشارع يرد بلغة الوجع، وحكومة تراكم القروض والوعود، بينما المواطن يراكم الخسائر والصبر والخوف، ولهذا لم يعد الكلام عن الغلاء مجرد شكوى.

بل صار شهادة حية على زمن تدفع فيه فاتورة القرارات الخاطئة من أعصاب الناس وأعمارهم ولقمة بيوتهم، أنا مواطن مصري عادي، لا أملك شركة، ولا أعيش في كمباوند، ولا أقبض بالدولار.

أنا مجرد إنسان يعيش في بلد أصبح فيه السؤال اليومي ليس، كيف نعيش؟ بل، كيف نكمل الشهر؟ فالأسعار ترتفع، والوقود يرتفع، والخبز نفسه أصبح موضوع قرارات حكومية عاجلة لضبط سعره لأن التضخم أصبح يضغط على حياة الناس بشكل غير مسبوق.

وفي الوقت الذي يحاول فيه المواطن العادي أن يوازن بين راتب ثابت وأسعار متحركة، تأتي الأخبار الاقتصادية لتكشف حجم الأزمة الحقيقي، والموازنة العامة للدولة نفسها تعترف بأن الإنفاق سيصل إلى 4.6 تريليون جنيه مقابل إيرادات 3.1 تريليون جنيه فقط، أي بعجز يقارب 1.5 تريليون جنيه.

رقم ضخم.. ضخم لدرجة أنه يجعل السؤال الطبيعي، من سيدفع الفاتورة؟ الإجابة للأسف معروفة، المواطن، فاقتصاد يعيش على القروض؛ ففي فبراير 2026 أعلن صندوق النقد الدولي الإفراج عن 2.3 مليار دولار جديدة لمصر ضمن برنامج قرض ممتد، هذا ليس أول قرض، ولن يكون الأخير على الأرجح، برنامج الصندوق نفسه توسع إلى 8 مليارات دولار.

بعدما واجه الاقتصاد نقصا حادا في العملة الأجنبية وارتفاعا كبيرا في التضخم  والصندوق نفسه يقول بوضوح إن الديون الخارجية قد ترتفع من 162.7 مليار دولار إلى حوالي 202 مليار دولار خلال السنوات المقبلة إذا استمر المسار الحالي.

بمعنى آخر، نحن لا نسدد الديون فقط، نحن نستدين أكثر لنستطيع سداد الديون القديمة، وهنا يبدأ السؤال الذي يتداوله الناس في الشارع، هل كل هذه القروض تذهب فعلا إلى تحسين حياة المواطنين؟.

أم إلى مشروعات عملاقة لا يشعر بها معظم الناس في حياتهم اليومية؟ والأخطر أن الأزمة لا تقف فقط عند حجم الدين الظاهر في الموازنة، بل تمتد إلى ما هو أقل تداولا في النقاش العام، الاقتراض خارج الموازنة والالتزامات الاحتمالية التي حذر منها البنك الدولي.

هذه ليست تفاصيل تقنية تخص الخبراء وحدهم، بل هي في جوهرها التزامات مالية قد لا تظهر فورا أمام المواطن، لكنها تعود في النهاية إلى الموازنة العامة وإلى جيب الناس.

وهنا تصبح الصورة أكثر إزعاجا، لسنا فقط أمام دولة تقترض كثيرا، بل أمام دولة تراكم كذلك التزامات مستقبلية تضغط على الاقتصاد حتى عندما يبدو على الورق أن هناك محاولة لضبط الإنفاق.

المواطن يدفع ثمن الإصلاح، الحكومة تقول إن الإصلاح الاقتصادي ضروري، ربما؛ لكن الإصلاح في حياة الناس له معنى آخر، زيادة أسعار الوقود، وزيادة أسعار النقل، وزيادة أسعار السلع.

ففي 2026 ارتفعت أسعار الوقود مرة أخرى بنسبة وصلت إلى 17٪ لبعض المنتجات، وقبلها بعام ارتفعت أيضا بنحو 12٪ في إطار سياسات تقليل الدعم المرتبطة ببرامج صندوق النقد.. النتيجة؟ كل شيء يرتفع.

التضخم في مصر وصل سابقا إلى 38٪ في 2023 قبل أن يتراجع إلى مستويات أقل، لكنه لا يزال في خانة الأرقام المزدوجة، أي أن الأسعار التي ارتفعت؛ لم تنخفض.

والمفارقة الأكثر قسوة أن الحكومة كلما تحدثت عن "تحسن المؤشرات" شعر المواطن أكثر بأن هناك عالمين منفصلين، عالم أرقام رسمي يقول إن التضخم تراجع، وعالم حقيقي في الأسواق يقول إن كل شيء ما زال أغلى من قدرة الناس.

لأن الحقيقة التي يعرفها كل من ينزل الشارع أن تراجع التضخم لا يعني تراجع الأسعار، بل يعني فقط أن الأسعار تواصل الصعود بوتيرة أبطأ من قبل.

ولهذا لا يشعر الناس بأي انفراجة حقيقية، لأن الدخول تآكلت بالفعل، ولأن ما يقدم باعتباره "استقرارا اقتصاديا" لم يتحول بعد إلى استقرار معيشي ينعكس على الأكل والسكن والعلاج والتعليم، واقتصاد تحت ضغط دائم.

ومن أكثر الأسباب التي لا ينتبه لها كثيرون في تفسير موجات الغلاء ونقص العملة الصعبة، الخسائر الضخمة التي تعرضت لها قناة السويس بسبب اضطرابات البحر الأحمر.

حين تفقد الدولة موردا دولاريا بهذا الحجم، لا يبقى الأمر مجرد خبر اقتصادي عابر، بل يتحول فورا إلى ضغط على سعر الصرف، ثم إلى ضغط على الاستيراد، ثم إلى ضغط على الوقود والسلع وكل تفاصيل الحياة اليومية.

المواطن قد لا يربط بين سفينة غيرت مسارها بعيدا عن القناة وبين سعر سلعة في البقالة، لكن الدولة التي تخسر مئات الملايين من الدولارات شهريا من القناة، تدفع المجتمع كله لاحقا ثمن هذه الخسارة، في صورة غلاء متراكم وضغط مالي دائم، وعلى الجانب الآخر، لا يمكن فهم حجم الأزمة من دون الانتباه إلى تراجع إنتاج الغاز المحلي.

فحين ينخفض الإنتاج، تصبح الدولة أكثر احتياجا للاستيراد أو لإعادة ترتيب استخدام الطاقة بتكلفة أعلى، وهذا يعني ضغطا جديدا على الدولار وعلى الموازنة وعلى فاتورة التشغيل والإنتاج، وهكذا لا تعود أزمة الطاقة ملفا فنيا معزولا، بل تصبح سببا مباشرا في ارتفاع التكاليف.

وفي النهاية يدفع المواطن الثمن مرة أخرى في صورة أسعار أعلى وخدمات أكثر كلفة واقتصاد أقل قدرة على التنفس، المشكلة أن الضغوط لا تأتي من الداخل فقط.

الحروب في المنطقة، واضطرابات البحر الأحمر، وأزمات الطاقة العالمية تضرب الاقتصاد المصري بشدة، حتى المستثمرون الأجانب سحبوا مليارات الدولارات من الأسواق المصرية في فترات التوتر، والجنيه نفسه تراجع إلى أكثر من 52 جنيها مقابل الدولار.

في بعض الفترات، ومع ضعف العملة ترتفع تكلفة الاستيراد، ومع ارتفاع الاستيراد ترتفع الأسعار، ومع ارتفاع الأسعار يزداد غضب الناس، إنها دائرة مغلقة، فالبرلمان.. أين هو؟

في أي دولة طبيعية، عندما تحدث أزمة اقتصادية بهذا الحجم، يفترض أن يكون البرلمان في قلب النقاش، لكن تقارير دولية تقول إن البرلمان المصري لا يلعب دورا مؤثرا في تشكيل السياسات أو مراقبة السلطة التنفيذية.

وأن القوانين القادمة من الحكومة غالبا ما تمرر دون نقاش حقيقي، أي أن المؤسسة المفترض أن تراقب الحكومة، قد لا تملك فعليا القدرة على ذلك، الأزمة في البرلمان ليست فقط أنه لا يصطدم بالحكومة بما يكفي.

بل أن صورته لدى قطاع واسع من الناس لم تعد صورة مؤسسة رقابية وتشريعية مستقلة أصلا، فالمشكلة الأعمق هي غياب الإحساس بوجود نقاش عام حقيقي حول القروض والموازنة.

وتبعات القرارات الاقتصادية الكبرى، حين تمر الملفات المصيرية سريعا، وحين لا يرى المواطن مساءلة قاسية ولا استجوابات تهز المشهد ولا كلفة سياسية يتحملها المسؤول، يصبح البرلمان في نظر الناس حاضرا شكليا وغائبا وظيفيا.

وهذه ليست مجرد مشكلة أداء برلماني، بل مشكلة توازن مؤسسي كامل، لأن الدولة التي يضعف فيها وزن الرقابة يزداد فيها الميل إلى تكرار القرار نفسه حتى لو كان المجتمع كله يدفع ثمنه، وهذا يفتح بابا خطيرا في أي دولة، غياب الرقابة الحقيقية، أزمة أعمق من الاقتصاد، الأزمة ليست اقتصادية فقط.

وهذا يفسر شيئا مهما، لماذا يغضب الناس في بيوتهم؛ لكن قليلا ما يتحدثون في العلن، ولهذا فإن الاختناق الذي يشعر به الناس ليس سببه الأسعار وحدها، بل أيضا إحساس واسع بأن المجال العام نفسه صار أضيق من أن يستوعب غضبهم أو يترجم وجعهم إلى مساءلة وسياسة.

فهي لا تصف ملفا منفصلا عن الاقتصاد، بل تصف جزءا من البيئة التي تجعل المواطن يشعر أنه محاصر مرتين مرة في معيشته، ومرة في قدرته على التعبير عن هذه المعاناة بأمان.

وهنا يتحول الصمت من اختيار إلى عبء، ومن خوف فردي إلى حالة عامة، مصر بين الأمل والغضب، والحكومة تقول إن الاقتصاد يتحسن، وبعض المؤشرات بالفعل تشير إلى تحسن نسبي في النمو الذي وصل إلى نحو 4.5٪.

في بعض التقديرات، لكن الحقيقة المؤلمة هي أن النمو الاقتصادي لا يعني بالضرورة تحسن حياة الناس، النمو قد يحدث، والفقر قد يستمر، حتى التقارير الدولية تقول إن نحو 30٪ من المصريين يعيشون تحت خط الفقر رغم الإصلاحات الاقتصادية.

السؤال الحقيقي.. المشكلة ليست أن الناس لا تتحمل، المصريون تحملوا الكثير عبر التاريخ، المشكلة أن المواطن يريد أن يشعر بأن تضحياته لها معنى، وأن يرى نتائج حقيقية في حياته، أن يشعر أن الدولة تسمعه، لأن أخطر شيء يمكن أن يحدث لأي دولة.. ليس الغضب، بل فقدان الأمل.

لا أحد يعترض على أن الدولة تحتاج إلى بنية تحتية ومشروعات جديدة، لكن السؤال الذي يطارد الناس ليس، هل نبني؟ بل، ماذا نبني أولا، ولمن، وبأي تكلفة، وفي أي توقيت؟ هنا تحديدا تنفجر أزمة الأولويات.

لأن الإنفاق على مشروعات ضخمة كثيفة الاستيراد، والعملة الصعبة في لحظة يعاني فيها المواطن من الغلاء ونقص الموارد، يفتح بابا واسعا للشكوك المشروعة حول ترتيب الاحتياجات الوطنية.

المشكلة ليست في فكرة التنمية نفسها، بل في أن المواطن لا يرى أن هذه الكلفة الهائلة ذهبت أولا إلى ما يمس حياته المباشرة، مدرسة أفضل، مستشفى أكرم، نقل أقل تكلفة، دخل أكثر عدلا، وفرصة عمل حقيقية، ولهذا يصبح الحديث الرسمي عن "الإنجاز" بعيدا عن وجدان الناس، لأنهم لا يقيسون التنمية بالخرسانة فقط.

بل بما إذا كانت خففت عنهم عبء الحياة أم لا، لكن الخروج من هذه الدائرة لا يحتاج فقط إلى مزيد من الصبر، بل إلى إعادة ترتيب حقيقية للأولويات الاقتصادية.

فالإصلاح الحقيقي يبدأ بتوجيه الإنفاق العام نحو ما يمس حياة الناس مباشرة، مثل التعليم والصحة ودعم الإنتاج المحلي، بدلا من التوسع في مشروعات كثيفة التكلفة بالعملة الصعبة في لحظة تعاني فيها البلاد من نقص الدولار.

كما أن تقوية الصناعة والزراعة المحلية ليست خيارا نظريا، بل ضرورة لتقليل الاعتماد على الاستيراد وتخفيف الضغط على العملة الأجنبية، وفي الوقت نفسه، تصبح السياسات الاجتماعية أكثر أهمية من أي وقت مضى.

من خلال حماية الفئات الأكثر تضررا ببرامج دعم فعالة وأجور أكثر عدلا، حتى لا تتحول كلفة الإصلاح الاقتصادي إلى عبء يقع بالكامل على كاهل المواطن، فاقتصاد قادر على الإنتاج وتوزيع الفرص بعدالة هو وحده القادر على تخفيف الغلاء واستعادة الثقة بين الدولة والمجتمع.

فمصر ليست دولة فقيرة بالموارد ولا بالقدرات البشرية، لكنها دولة تمر بلحظة اختبار صعبة، اختبار في الاقتصاد، اختبار في الإدارة، واختبار في العلاقة بين الدولة والمجتمع، والسؤال لم يعد هل يشعر المصريون بالأزمة أم لا، لأن الإجابة صارت مكتوبة على كل فاتورة وعلى كل رف في السوق.

وعلى كل بيت يؤجل احتياجاته الأساسية حتى آخر الشهر، السؤال الحقيقي الآن، إلى متى ستظل الدولة تتعامل مع صبر الناس باعتباره موردا مجانيا لا ينفد؟ لأن الشعوب قد تصبر على الشدة، لكنها لا تصبر طويلا على الإحساس بأن أحدا لا يراها ولا يسمعها ولا يعيد ترتيب الأولويات من أجلها.

وأخطر ما قد تصل إليه أي سلطة ليس غضب الناس منها، بل اقتناع الناس بأنها لا تتعلم، ولا تراجع، ولا تشعر، فالقضية ليست مجرد أرقام في موازنة ولا تقارير اقتصادية تتبادلها المؤسسات الدولية، القضية ببساطة أن هناك شعبا يعيش يوميا تحت ضغط الغلاء والخوف من الغد، بينما تدار السياسات وكأن قدرة الناس على التحمل مورد لا ينفد.

قد تصبر الشعوب طويلا، وقد تتحمل الضيق والشدة، لكن التاريخ يقول إن أخطر لحظة على أي دولة ليست لحظة الغضب، بل اللحظة التي يشعر فيها الناس أن أحدا لا يسمعهم، ولا يراجع نفسه ولا يعيد ترتيب الأولويات من أجلهم.

مصر بلد كبير وشعبها أكبر، لكن بقاء هذا البلد قويا لا يصنعه الصبر وحده، بل يصنعه العدل، والشفافية، والرقابة الحقيقية، والسياسات التي تضع حياة الناس قبل أي مشروع وأي رقم وأي خطاب.

والسؤال الذي سيظل يلاحق كل مسؤول اليوم وغدا، هل ستتعلم السلطة من وجع الناس… أم ستظل تراهن على صبرهم حتى اللحظة الأخيرة؟.