حين تتعرض الاوطان للغزو لا يكون الخطر دائما في فوهة بندقية، بل كثيرا ما يتسلل في ثوب كلمة، وفي صياغة مصطلح، وفي محاولة هادئة لسرقة الذاكرة قبل سرقة الارض، فالتاريخ حين يزور لا يصاب الماضي وحده، بل يمرض الحاضر ويفقد المستقبل بوصلته، ويصبح الوطن مهددا ليس من حدود الخارج فقط، بل من تشويه الداخل الذي يتسلل بلا ضجيج ولا جلبة حتى يستقر في العقول قبل الارض.
ليست معركتنا اليوم معركة شعارات ولا لافتات ولا حتى انتخابات، بل هي معركة وعي بامتياز، معركة من يملك حق تفسير الماضي، ومن يملك حق صياغة الذاكرة الوطنية، فحين تختطف المصطلحات تختطف معها العقول، وحين يعاد تعريف البطولة يعاد تعريف الوطن نفسه، ولهذا فان اخطر انواع الحروب تلك التي لا تطلق فيها رصاصة واحدة، بل تسرق فيها المعاني قطعة قطعة.
نحن في مصر لا نعاني فقط من صراع سياسي او جدل اجتماعي، بل نواجه معركة وعي حقيقية عنوانها من يملك حق تسمية الاشياء، ومن يحدد ما هو ثورة وما هو انتفاضة وما هو هوجة وما هي دولة، وهذه ليست لعبة لغوية بل قضية مصير، لان الشعوب التي تضيع معاني كلماتها تضيع معها معاني وجودها، ويتحول تاريخها الى ساحة مفتوحة لكل من شاء العبث والتزييف.
في الريف المصري لم يكن الناس يطلقون على حركة عرابي كلمة ثورة، بل كانوا يسمونها هوجة عرابي، والهوجة في الوجدان الشعبي ليست اهانة بل توصيف لحركة لم تستطع ان تبني دولة ولم تنجح في تغيير مصير الاحتلال، فالتاريخ لا تكتبه النوايا بل تكتبه النتائج، ومن لا يفهم هذا يظل اسيرا للشعارات لا للحقائق.
وحين انفجرت شوارع مصر في يناير 1977 لم يقل الناس ثورة بل قالوا انتفاضة الحرامية، لان الحدث كان غضبا اجتماعيا مطلبيا اسقط قرارا اقتصاديا ولم يسقط نظاما سياسيا، وهنا تظهر الفروق الدقيقة التي لا يراها من يختزل التاريخ في مشهد واحد او هتاف واحد، ويتجاهل السياق والاثر والنتيجة.
ثم جاءت انتفاضة الشباب في يناير 2011 وكانت لحظة غضب مشروع وصرخة جيل يبحث عن العدالة والكرامة، لكن الخطير لم يكن في خروج الشباب، بل في محاولة اختطاف هذا الخروج وتحويله الى منصة لتصفية حسابات مع الدولة لا مع الفساد، وتحويل يوم الشرطة من رمز وطني الى ساحة خصومة مع مؤسسة هي عمود الدولة الفقري.
اخطر ما فعلته جماعة الاخوان لم يكن فقط في الحكم، بل في محاولتها اعادة صياغة التاريخ واختطاف المصطلحات وسحب الرموز من سياقها الوطني الى سياقها الحزبي، وكأن الوطن صفحة بيضاء يعاد رسمها كلما تغيرت الموازين، وهذه جريمة في حق الدولة لا تقل خطورة عن اي عمل تخريبي مهما كان شكله.
بين طيات التاريخ وحقائق الجغرافيا، هناك ثوابت لا تقبل التزييف، وهناك حقوق ملكية فكرية ووطنية لا تشترى بالضجيج ولا تمحى بالهتافات، إن ما حدث في مصر طوال عقود من محاولات لي ذراع التاريخ يستوجب وقفة حازمة صريحة وشديدة اللهجة، لنزيح الغبار عن الحقيقة التي أراد البعض طمسها في غفلة من الزمن.
"الباشا" والشرعية التي لا تموت، فحين أصدر فؤاد باشا سراج الدين وزير الداخلية المصري قراره التاريخي في 25 يناير 1952، لم يكن يكتب تغريدة او يبحث عن تريند، كان يوقع قرارا بالدم، آمرا رجال الشرطة في الاسماعيلية الا يسلموا اسلحتهم للاحتلال البريطاني حتى اخر طلقة، هذا هو اصل الحكاية، وهذا هو التاريخ الذي يستحق التكريم.
فؤاد سراج الدين هو المؤسس الحقيقي لكرامة هذا اليوم، واغفال اسمه في الاحتفالات الرسمية او الشعبية هو جحود تاريخي لا يليق بدولة بحجم مصر.
والحقيقة التي لا يجب ان تغيب ان يوم الشرطة في مصر لم يولد في ميدان سياسي، بل خرج من قلب معركة وطنية خالصة قادها رجل دولة زعيم وطن اسمه فؤاد باشا سراج الدين وزير الداخلية، الذي اتخذ قرارا سياديا شجاعا بان تواجه الشرطة المصرية الاحتلال البريطاني في الاسماعيلية عام 1952.
لم يكن القرار استعراضا ولا مغامرة، بل كان اعلانا واضحا ان الشرطة ليست عصا في يد السلطة بل درع للوطن، فؤاد باشا سراج الدين لم يؤسس مجرد عيد بل اسس معنى، وهو ان تكون الشرطة في صف السيادة لا في صف الخوف، وان يكون رجل الامن جزءا من شرف الدولة لا مجرد اداة تنفيذ.
خطيئة "25 يناير 2011" ومؤامرة الطمس، فلنكن صرحاء، لقد تعمدت جماعة الاخوان المسلمين ومن سار في ركابها اختيار يوم عيد الشرطة بالذات ليكون شرارة لما اسموه ثورة، لم يكن الاختيار عفويا بل كان خنجرا مسموما استهدف طمس التاريخ الوطني للشرطة المصرية، ومحاولة استبدال بطولة رجال الاسماعيلية بحراك شبابي سرعان ما تم اختطافه لتفكيك مفاصل الدولة.
اذا اراد البعض الاحتفال بانتفاضة الشباب في 2011 فليختاروا يوما اخر، اختاروا يوم التنحي في 11 فبراير، او يوم بدء الحراك الفعلي في 23 يناير، اما السطو على يوم 25 يناير فهو محاولة بائسة لسرقة قدسية هذا اليوم من اصحابه الحقيقيين.
ومن هنا يصبح انصاف هذا الرجل واجبا وطنيا لا مجاملة سياسية، لان الامم التي تنسى صانعي كرامتها تفقد القدرة على حماية كرامتها، ويصبح تاريخها مجرد سرد بلا روح ولا معنى ولا قدوة قادرة على البقاء في الوجدان العام.
ولعل من عدالة التاريخ ان تمتد تلك الروح اليوم في صورة مؤسسية هادئة يمثلها اللواء محمود توفيق وزير الداخلية، الذي ادار واحدة من ادق مراحل الدولة المصرية الحديثة بعقل الدولة لا بعقل السلطة، فلم يتاجر بالأمن ولم يستعرض بالقوة ولم يحول الوزارة الى منصة خطاب.
اعاد تعريف الهيبة باعتبارها طمأنينة قبل ان تكون ردعا واحتراما قبل ان تكون خوفا، لتبقى الشرطة في مصر مؤسسة وطن لا جهاز صدام.
توازن نادر بين الحزم والعدل بين القوة والعقل بين الصمت والعمل، وهذه مدرسة دولة لا مدرسة افراد، وحين ننظر الى الثلاثين من يونيو لا ينبغي ان نغرق في معارك التسمية بل في جوهر الفعل، فذلك اليوم لم يكن هتافا بل استعادة لدولة كادت تضيع وتصحيح مسار حين اصطفت الجماهير مع مؤسساتها.
وحين ننظر خارج حدودنا ندرك قيمة ما نملك، ففي دول كثيرة حولنا تحولت اجهزة الامن الى ميليشيات حزبية او ادوات قمع عشوائي، بينما بقيت الشرطة المصرية رغم العواصف جزءا من فكرة الدولة لا من لعبة السلطة، وهذا الفارق وحده كفيل بان يجعل الدفاع عنها دفاعا عن نموذج دولة.
الدولة لا تصرخ بل تعمل، ولا تبنى بالضجيج بل بالبناء، ولا تحمى بالشعارات بل بالمؤسسات، ومن لا يفهم هذه القاعدة يظل اسيرا لصور الميادين لا لحقائق التاريخ، ويظل عالقا بين الحلم والفوضى دون ان يدرك معنى الدولة العميق.
ان معركة مصر اليوم ليست بين ثورة وثورة مضادة، بل بين وعي وتزييف، بين دولة وفوضى، بين ذاكرة وطن ومحاولات العبث بها، ومن هنا يصبح الدفاع عن الشرطة دفاعا عن فكرة الدولة لا عن جهاز امني، ويصبح استدعاء فؤاد سراج الدين استدعاء لكرامة وطن لا لشخص تاريخي فقط.
لسنا ضد الغضب الشعبي بل ضد سرقته، ولسنا ضد التغيير بل ضد هدم الدولة باسم التغيير، ولسنا مع اشخاص بل مع فكرة اسمها مصر، فكرة لا تقبل المساومة ولا تعيش بالصدفة ولا تستمر بلا وعي ولا تنهض الا بعقول تحميها قبل سواعد تدافع عنها.
وحين نعيد الاعتبار للتاريخ ونعيد تسمية الاشياء باسمائها الحقيقية، فقط عندها يمكن لهذا الوطن ان يتقدم بثبات لا بعشوائية، وبكرامة لا بانفعال، وبعقل دولة لا بعاطفة لحظة، ومن هنا لا يصبح تصحيح الذاكرة ترفا فكريا بل ضرورة وطنية تفرض على التعليم والاعلام والنخبة مسؤولية لا تحتمل الهروب.
ذلك هو الفارق بين الهوجة والدولة، وبين الضجيج والهيبة، وبين وطن يبقى ووطن يضيع.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض