رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

 

 

يناير ليس شهرا عابرا في الذاكرة المصرية، ولا في الذاكرة الإنسانية عموما، هو شهر ثقيل، مزدحم بالأسئلة، لا يترك صاحبه يمر دون أن يضعه وجها لوجه أمام نفسه، بعض الشهور نعيشها، وبعضها يعيش فينا ويناير من النوع الثاني.

في هذا الشهر تتقاطع الذكريات الخاصة مع الأحداث العامة، وتختلط مشاعر الفقد بأسئلة الوطن، وتصبح القدرة على التمييز بين الانفعال والمسؤولية ضرورة لا رفاهية، فهناك أيام لا يمكن اختزالها في تاريخ واحد، ولا تفسيرها برواية واحدة.

23 يناير هو تاريخ لا يعرفه إلا من فقد عزيزا، تاريخ شخصي لا يظهر في نشرات الأخبار، لكنه محفور في القلب، فقد الأب ليس حدثا عابرا، بل لحظة تعيد ترتيب العالم من جديد، وتعلم الإنسان أن الصمت أحيانا أبلغ من الخطب، وأن الاتزان لا يعني البرود، بل احترام الوجع.

ففي 23 يناير، لا أستدعي حدثا عاما، بل وجعا خاصا لا يراه سواي، في هذا اليوم فقدت أبي، ولم أفقده مرة واحدة، بل أفقده كل صباح منذ ذلك التاريخ، بعض الغياب لا يعوض، وبعض الفقد لا يهدأ مع الوقت، بل يتعلم الإنسان فقط كيف يعيش وهو يحمله، كان أبي ثابتا في زمن مرتبك، وهادئا في عالم يعلو فيه الضجيج.

وحين رحل، ترك فراغا لا تملؤه الأيام ولا الكلمات، في ذكرى رحيله، لا أبكيه بصوت مرتفع، بل ينكسر قلبي في صمت، وتتعصر روحي وأنا أتعلم كيف أستند على الذكريات بدل الكتف الذي اعتدت الاحتماء به، رحم الله أبي، فقد علمني أن القوة ليست في الصخب، بل في الاتزان، وأن الكرامة موقف لا شعار.

ثم يأتي 25 يناير، اليوم الذي لا يزال حتى الآن محل نقاش وجدال، هل هو عيد للشرطة أم ذكرى لثورة، وربما كانت المعضلة الحقيقية أننا نصر دائما على الاختيار بين حدين، بينما الواقع أكثر تعقيدا من ذلك، فالدول لا تبنى بإلغاء مؤسساتها، ولا تتقدم بإنكار مطالب شعوبها.

وليظل 25 يناير في وجدان الدولة المصرية عيدا للشرطة، يوما لتكريم مؤسسة وطنية دفعت ولا تزال تدفع أثمانا باهظة دفاعا عن أمن هذا الوطن واستقراره، هذا التاريخ لم يكن يوما عنوانا لصدام مع الشرطة، ولا شاهدا على انتفاضة ضدها، بل رمزا لتضحيات رجال حملوا أرواحهم على أكفهم.

ومحاولات اختزال هذا اليوم في رواية واحدة، أو إعادة تعريفه على حساب تاريخه الأصيل، لم تكن سوى محاولات لطمس صفحة ناصعة من تاريخ الشرطة المصرية، فالشرطة المصرية، بقياداتها ورجالها، لم تكن يوما طرفا في مواجهة مع الوطن، بل كانت دائما في صفه، تحمي مؤسساته وتصون استقراره.

من جيل إلى جيل، قدم رجال وزارة الداخلية نماذج في الانضباط والشجاعة وتحمل المسؤولية، سواء في مواجهة الإرهاب، أو في حماية الجبهة الداخلية، أو في حفظ الأمن اليومي الذي لا يشعر بقيمته إلا من فقده، واليوم، كما بالأمس، تستحق قيادات وزارة الداخلية ورجالها كل تقدير واحترام، ليس بالكلمات فقط، بل بالوعي بحقيقة دورهم الوطني.

ولأن للتواريخ جذورا لا يجوز اقتلاعها، فإن 25 يناير يعود في أصله إلى معركة الإسماعيلية عام 1952، حين وقف رجال الشرطة المصرية، بأسلحة محدودة وإرادة صلبة، في مواجهة قوات الاحتلال البريطاني دفاعا عن كرامة الوطن وسيادته، سقط الشهداء، وبقي الموقف شاهدا على أن الشرطة المصرية لم تكن يوما مجرد جهاز أمني.

بل جزءا أصيلا من حركة التحرر الوطني، وقدمت دماءها في لحظة فاصلة من تاريخ مصر الحديث، ليظل هذا اليوم رمزا للفداء والانتماء قبل أي تأويل لاحق أو قراءة طارئة، أحيانا أخطر ما يصيب الوطن ليس الصراع، بل اختزال الحقيقة في رواية واحدة.

الشرطة مؤسسة وطنية، وجودها ضرورة، واحترامها واجب، والثورة فكرة، حين تنحرف تفقد معناها، وحين تختزل تظلم، وبين المؤسسة والفكرة تقف الدولة، التي لا تحتمل صراعات الشعارات، بقدر ما تحتاج إلى وعي يحميها من الانقسام.

في مثل هذه اللحظات، يصبح الهدوء شجاعة، والتعقل موقفا، والابتعاد عن الاستقطاب فضيلة، فالوطن لا يحتاج إلى مزيد من الأصوات المرتفعة، بقدر ما يحتاج إلى عقول تفكر، وضمائر تراجع نفسها قبل أن تراجع الآخرين.

ربما يجمع يناير بين الحزن والسؤال والاختيار، لكنه يعلمنا درسا مهما، أن الحياة العامة لا تنفصل عن الإنسان، وأن السياسة بلا إنسانية تصبح قاسية، والإنسان بلا وعي عام يصبح معزولا، وبين هذا وذاك، يظل الاتزان هو أصعب الطرق وأكثرها احتراما.

هل نحن مستعدون لمستقبل يهدد لقمة عيشنا ويغير فرص العمل؟ أسعار السلع ترتفع، الذكاء الاصطناعي يسرق الوظائف، الشباب يبحث عن فرص عمل حقيقية، وكل مصري يتساءل عن مستقبله، وفي هذا الوقت تتقاطع ذاكرتنا مع يناير، الشهر الذي يضعنا وجها لوجه أمام المسؤولية والواقع، ليصبح كل درس شخصي وجماعي عن الوطن والإنسانية.

في ذكرى الفقد نتعلم الصبر، وفي ذكرى الوطن نتعلم المسؤولية، وفي لحظة الاختيار نتعلم أن التاريخ لا يصنعه الانفعال، بل القرار الواعي، ولعل أجمل ما يمكن أن نقدمه لأنفسنا، وللوطن، هو أن نمر من هذه الأيام بقلوب هادئة، وعقول يقظة، وإيمان بأن مصر تستحق دائما الأفضل.