خبير عسكري يحذر من حروب العقول: مواقع التواصل والذكاء الاصطناعي أسلحة جديدة
لم تعد الحروب في العصر الحديث تقتصر على المواجهات العسكرية التقليدية أو الاشتباكات المباشرة بين الجيوش على الحدود، بل شهدت تطورًا جذريًا في طبيعة الصراعات وأدواتها وأهدافها، لتتحول ساحات المواجهة إلى مساحات أكثر اتساعًا وتعقيدًا، تستهدف العقول والوعي المجتمعي والبنية الاقتصادية والمؤسسات الحيوية للدول، دون الحاجة بالضرورة إلى استخدام الأسلحة التقليدية أو الدخول في مواجهات عسكرية مباشرة.
وأصبحت المعلومات والشائعات والتكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي من الأدوات المؤثرة في تشكيل مسارات الصراعات الحديثة، بما يفرض تحديات جديدة أمام الدول والمجتمعات في حماية أمنها واستقرارها.
وفي ظل التطور المتسارع للتكنولوجيا العسكرية والاتصالات الرقمية، باتت وسائل التواصل الاجتماعي تمثل إحدى أبرز ساحات التأثير في الرأي العام، حيث يمكن للمعلومات المضللة والشائعات أن تنتشر على نطاق واسع خلال وقت قصير، بما قد يؤثر على ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة، ويغذي مشاعر الإحباط والقلق، ويخلق حالة من الاضطراب داخل المجتمعات.
ولم يعد استهداف الدول مرتبطًا فقط بقدراتها العسكرية، وإنما امتد إلى التأثير على تماسكها الداخلي وقدرتها على مواجهة الأزمات والحفاظ على استقرارها.
الوعي المجتمعي والأمن السيبراني
كما اتسعت طبيعة التهديدات لتشمل استخدام الأدوات الاقتصادية والسياسية، من خلال الضغوط والحصار والتحكم في الممرات الملاحية الدولية، التي تمثل شرايين أساسية لحركة التجارة والطاقة العالمية، وأصبحت الأزمات التي تشهدها الممرات البحرية الاستراتيجية، مثل مضيق هرمز وباب المندب، ذات انعكاسات تتجاوز حدود المنطقة، لتؤثر على سلاسل الإمداد وأسعار الطاقة والاقتصاد العالمي، وهو ما يكشف عن تداخل الأبعاد العسكرية والاقتصادية والسياسية في حروب العصر الحديث.
وتزامن ذلك مع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى المجال العسكري، وتطور أنظمة الأسلحة الذكية والطائرات المسيرة، بما يفتح المجال أمام أنماط جديدة من المواجهات، ويثير تساؤلات واسعة حول مستقبل الحروب وحدود استخدام التكنولوجيا في استهداف الأفراد والمنشآت، وأمام هذه التحولات، أصبح الوعي المجتمعي والأمن السيبراني والقدرة على مواجهة المعلومات المضللة من العناصر الأساسية لحماية الأمن القومي، إلى جانب امتلاك القدرات العسكرية والاقتصادية اللازمة للتعامل مع التهديدات المتغيرة.
ومن جانبه، حذر اللواء أركان حرب محمد الشهاوي، المستشار بالأكاديمية العسكرية ورئيس أركان الحرب الكيميائية الأسبق، من التحول الجذري الذي شهدته حروب العصر الحديث، مؤكدًا أن المواجهات لم تعد تدور فقط حول الدبابات والساحات التقليدية، وإنما أصبحت تستهدف العقول والوعي والمجتمعات، من خلال أدوات وأساليب جديدة تشمل أسلحة الانتشار الشامل وأسلحة الاضطراب الشامل.
مواقع التواصل الاجتماعي سلاح جديد في حروب الوعي
وأوضح الشهاوي، أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت تمثل أحد أبرز أدوات الانتشار الشامل، في ظل قدرتها على نقل المعلومات والأخبار إلى أعداد كبيرة من المستخدمين خلال ثوانٍ معدودة.
وأشار إلى أن خطورة هذه المنصات تكمن في إمكانية استغلالها لنشر المعلومات المغلوطة والشائعات، بهدف التأثير على وعي المواطنين وزعزعة الثقة بينهم وبين مؤسسات الدولة، فضلًا عن نشر مشاعر اليأس والإحباط وإثارة حالة من الاضطراب داخل المجتمع.
وأكد أن المواجهة في هذا النوع من الحروب لا تعتمد على الأدوات العسكرية التقليدية، وإنما ترتبط بقدرة المجتمع على التمييز بين المعلومات الصحيحة والمضللة، والتعامل الواعي مع المحتوى المتداول، وعدم الانسياق وراء الشائعات التي تستهدف التأثير على الاستقرار الداخلي.
وتعكس هذه التطورات أهمية بناء وعي مجتمعي قادر على التعامل مع التدفق الهائل للمعلومات، خاصة أن التأثير الإعلامي والنفسي أصبح جزءًا أساسيًا من أدوات الصراع الحديثة.
أسلحة الاضطراب الشامل
وعلى الصعيدين الجيوسياسي والاقتصادي، تناول اللواء محمد الشهاوي مفهوم أسلحة الاضطراب الشامل، موضحًا أنها تشمل أدوات الضغط الاقتصادي والسياسي، والحصار، والتأثير على حركة الملاحة الدولية، بما قد يؤدي إلى اضطراب الأسواق العالمية وإضعاف قدرات الدول على مواجهة التحديات الاقتصادية.
وأشار إلى أن الممرات الملاحية الاستراتيجية أصبحت تمثل أحد أبرز عناصر التأثير في الصراعات الدولية، نظرًا لدورها الحيوي في نقل الطاقة والبضائع وربط الأسواق العالمية، لافتًا إلى أهمية مضيق هرمز وباب المندب في حركة التجارة وإمدادات الطاقة.
وأوضح أن مضيق هرمز تمر عبره كميات ضخمة من النفط، تقدر بنحو 20 مليون برميل يوميًا وفق الرقم الذي أورده، وهو ما يعكس الأهمية الاستراتيجية لهذا الممر وتأثير أي اضطرابات فيه على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.
وأضاف أن الأزمات التي تتعرض لها الممرات البحرية لا تقتصر آثارها على الدول المطلة عليها، وإنما تمتد إلى مختلف الاقتصادات المرتبطة بحركة التجارة الدولية، بما يجعل تأمين طرق الملاحة واستقرارها قضية ذات أبعاد إقليمية ودولية واسعة.
الذكاء الاصطناعي يغير طبيعة الحروب العسكرية
وفيما يتعلق بالتطور التكنولوجي في المجال العسكري، كشف الشهاوي عن دخول العالم مرحلة جديدة من أسلحة التدمير الشامل الذكي، القائمة على دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي بالأنظمة والتكنولوجيا العسكرية الحديثة.
وأوضح أن الطائرات المسيرة، المعروفة باسم «الدرونز»، أصبحت من النماذج التي تعكس هذا التحول، خاصة مع تطور قدراتها التقنية واستخدام أنظمة القياس الحيوي، مثل التعرف على بصمة الوجه والعين، في تحديد الأشخاص المستهدفين.
وأكد أن خطورة التطورات التكنولوجية لا تقتصر على زيادة القدرات العسكرية، وإنما تمتد إلى التأثير على طبيعة الحروب وأهدافها، في ظل تزايد الاعتماد على الأنظمة الذكية والتقنيات الرقمية في إدارة المواجهات.
وشدد على أن استهداف الوعي والفكر أصبح أحد أبرز التحديات التي تواجه المجتمعات، وهو ما يجعل التوعية وبناء الشخصية القادرة على التفكير النقدي والتحقق من المعلومات ضرورة أساسية لحماية الأفراد من محاولات التلاعب والتأثير.
أجيال الحروب من المواجهة المباشرة إلى استهداف المجتمعات
واستعرض المستشار بالأكاديمية العسكرية تطور الفكر العسكري عبر التاريخ، من خلال تصنيف الحروب إلى أجيال مختلفة، تعكس التحولات التي طرأت على طبيعة المواجهات وأدواتها والأهداف التي تسعى الأطراف المتصارعة إلى تحقيقها.
وأوضح أن حروب الجيل الأول ارتبطت بالمواجهات التقليدية المباشرة بين جيشين، واعتمدت على الاشتباك المباشر وخطوط المواجهة، مستشهدًا بالحروب النابليونية التي كانت تمثل نموذجًا لهذا النمط من القتال.
أما حروب الجيل الثاني، فارتبطت بحرب النيران والخنادق، واعتمدت على المدافع والمواد المتفجرة والتحصينات الهندسية، وظهرت بصورة واضحة خلال الحرب العالمية الأولى، وكذلك في بعض مراحل حرب الاستنزاف.
وفي حروب الجيل الثالث، انتقل الفكر العسكري إلى الاعتماد بصورة أكبر على المناورة وسرعة الحركة والتطويق وكثافة النيران، فيما عُرف بحروب البرق، بهدف تحقيق التفوق العسكري والوصول إلى الأهداف الاستراتيجية في وقت أقصر.
وأشار إلى أن حروب الجيل الرابع شهدت تحولًا مهمًا في طبيعة الصراع، حيث لم يعد الهدف مقتصرًا على تدمير الجيوش النظامية، وإنما امتد إلى استهداف المجتمعات والمدنيين، من خلال الحروب اللامتماثلة واستخدام الجماعات المسلحة والتنظيمات الإرهابية.
واستشهد الشهاوي بالتجربة المصرية في مواجهة الإرهاب خلال الفترة من 2014 إلى 2016، مشيرًا إلى أن تلك المرحلة شهدت تنفيذ أكثر من 1300 عملية، في إطار الجهود الرامية إلى مواجهة التهديدات الإرهابية والحفاظ على أمن الدولة واستقرارها.
وأوضح أن المواجهة المصرية لم تعتمد على الإجراءات الأمنية والعسكرية فقط، وإنما امتدت إلى استخدام التنمية باعتبارها أحد المسارات المهمة لمعالجة جذور التحديات، من خلال تنفيذ مشروعات تنموية واسعة في سيناء وضخ استثمارات بمئات المليارات من الجنيهات.
حروب الأجيال الخامسة والسادسة والسابعة
وشدد اللواء محمد الشهاوي على أن حروب الأجيال الخامسة والسادسة والسابعة ترتكز بصورة أساسية على ما وصفه بالاحتلال الفكري والنفسي بدلًا من احتلال الأراضي، من خلال التأثير على اتجاهات المجتمعات وتشكيل وعيها وإضعاف قدرتها على التماسك ومواجهة الأزمات.
وأوضح أن هذه الحروب تعتمد على ثلاثة محاور رئيسية، يتمثل أولها في الحرب الإعلامية التي تستهدف توجيه الوجدان وصياغة الفكر المجتمعي والتأثير على اتجاهات الرأي العام، أما المحور الثاني فيتمثل في الحرب السيبرانية، التي لم تعد مقتصرة على استهداف المواقع أو اللوحات الإعلانية، وإنما يمكن أن تمتد إلى تهديد البنية التحتية الحيوية، مثل شبكات الكهرباء ومحطات المياه والمستشفيات وشبكات الاتصالات.
ويتمثل المحور الثالث في الحرب النفسية، التي تستهدف إضعاف الروح المعنوية للمجتمعات، وبث الإحباط وفقدان الثقة، بما قد يؤثر على تماسك الجبهة الداخلية وقدرة المواطنين على مواجهة التحديات، وتكشف هذه المحاور عن اتساع مفهوم الأمن القومي في العصر الحديث، فلم يعد مرتبطًا فقط بحماية الحدود والمنشآت العسكرية، وإنما أصبح يشمل حماية المعلومات والبنية التحتية والوعي المجتمعي والمؤسسات الحيوية.
أكد الشهاوي أن امتلاك الوعي الوطني يمثل أحد أهم عناصر حماية الدول من التهديدات المعاصرة، مشددًا على ضرورة تعزيز التوعية المجتمعية وتطوير منظومات التأمين السيبراني لمواجهة المخاطر المرتبطة بالتكنولوجيا والفضاء الرقمي.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض

