محمد خضر
ليست كل المدن تحتاج إلى من يكتب تاريخها، فبعضها يحتاج فقط إلى من يزيل الغبار عن حكاياتها، ويفتح نوافذها على العالم من جديد. هكذا بدت لي مدينة فوه بمحافظة كفر الشيخ، خلال زيارتي الميدانية إليها، بصحبة صديقي الباحث طارق الصغير؛ مدينة تختزن بين شوارعها وبيوتها ومساجدها حكايات زمن بعيد، وتحافظ بين أيدي أبنائها على حرفة يدوية صنعت لها شهرة تجاوزت الحدود.
هنا فوه.. حيث تتعانق مآذن المساجد مع عبق التاريخ، وتتحول الخيوط الملونة بين أيدي الحرفيين إلى لوحات فنية، فيما تظل المدينة شاهدة على صفحات مهمة من تاريخ مصر الحضاري.
وما بين فوه و دسوق مسافة لا تتجاوز كيلومترات قليلة، ولكن مساحة واسعة من التاريخ والذاكرة الشعبية والموروث الديني والإنساني.
فبينما تتوضأ دسوق بالحب في رحاب المسجد الإبراهيمي، وتستقبل كل عام محبي العارف بالله سيدي إبراهيم الدسوقي في موسم مولده، تحتفظ فوه، على مقربة منها، بكنوز معمارية وحرفية تجعلها امتدادًا طبيعيًا لهذه الرحلة، ووجهة تستحق أن تكون على خريطة الزيارات الدينية والثقافية بمحافظة كفر الشيخ.
منذ اللحظة الأولى للتجول في شوارع فوه، تدرك أنك أمام مدينة مختلفة؛ فالمباني التاريخية والمساجد ذات الطراز المعماري المميز شواهد على تاريخ طويل من الحياة الدينية والتجارية والثقافية.
وتُلقب فوه بمدينة المساجد، ويُتداول أن عدد معالمها الدينية والتاريخية يصل إلى 365 مسجدًا وقبة ومزارًا، فيما تضم 14 مسجدًا أثريًا مسجلًا، لتحتل مكانة بارزة بين المدن المصرية الغنية بالتراث والعمارة الإسلامية.
ومن أبرز معالمها مسجد القنائي، الذي يضم أطول مئذنة بالمدينة، ويبلغ ارتفاعها 36 مترًا، إلى جانب مساجد السادات الكورانية وسيدي موسى وأبو المكارم، فضلًا عن عدد من الوكالات والمنازل التاريخية التي تكشف عن مكانة المدينة التجارية في عصور سابقة.
وفي هذه الشوارع، تشعر بأن التاريخ لم يغادر المكان تمامًا، بل ترك بصماته على الجدران والمآذن والأبواب الخشبية، منتظرًا من يعيد تقديمه للأجيال الجديدة.
لكن المدن لا يحميها التاريخ وحده، وإنما يحميها أبناؤها الذين يدركون قيمة ما يمتلكونه.
وخلال جولتي الميدانية، التقيت أحمد الديب، أحد أبناء فوه المولعين بالحفاظ على التراث والحرف اليدوية، ممن يرون في موروث المدينة ثروة تستحق الرعاية والتعريف بها.
كان اللقاء معه مدخلًا لفهم جانب مهم من شخصية فوه؛ فالحفاظ على التراث ليس مجرد اهتمام بالمباني القديمة أو الصور التذكارية، وإنما هو وعي بقيمة المكان، وحرص على ألا تنقطع الصلة بين الأجيال الجديدة وتاريخ مدينتهم.
ومن هنا تأتي أهمية دور أبناء فوه المهتمين بتراثها، فهم شهود على تفاصيل قد لا تجد طريقها إلى الكتب، وحلقة وصل بين ذاكرة الماضي واحتياجات الحاضر.
ومن ذاكرة المكان إلى سحر الحرفة، كان اللقاء مع عم حمدي الخلال، أحد صناع الكليم في فوه، حيث انتقلت الرحلة من مشاهدة التراث إلى معايشته عن قرب.
داخل ورشته، لم أكن أمام منتج تقليدي معروض للبيع، بل أمام حكاية تُنسج على نول يدوي، خيطًا وراء خيط.
شاهدت مراحل التصنيع، وتعرفت على أنواع الخيوط المستخدمة، وكيف تتداخل الخامات والألوان، وتتحرك الأيدي بخبرة وصبر حتى تتشكل قطعة الكليم في صورتها النهائية.
مشهد يستحق التأمل؛ فكل حركة على النول لها حسابها، وكل لون له مكانه، وكل خيط يضيف تفصيلة جديدة إلى لوحة لا تصنعها الآلات وحدها، بل تصنعها مهارة الإنسان وخبرته المتوارثة.
هنا تدرك أن الكليم ليس مجرد حرفة يدوية، وإنما جزء من هوية فوه وذاكرتها الاقتصادية والاجتماعية، حرفة تحمل بين تفاصيلها تاريخًا من العمل والإبداع.
لكن السؤال الذي طرحه أحمد الديب يظل حاضرًا: كيف نحافظ على هذه الحرفة، ونضمن استمرارها، ونمنح صناعها فرصة حقيقية لتطوير منتجاتهم والوصول بها إلى أسواق أوسع؟
إن دعم الحرفيين، وتوفير منافذ تسويقية لمنتجاتهم، وتنظيم المعارض، وتشجيع الشباب على تعلم هذه المهنة، كلها خطوات ضرورية لحماية أحد أهم مكونات التراث غير المادي للمدينة.
هنا تلتقي حكاية فوه بقصة دسوق.
فمع توافد أعداد كبيرة من المحبين والزائرين إلى دسوق سنويًا للمشاركة في مولد العارف بالله سيدي إبراهيم الدسوقي، الذي اختُتم قبل أيام، تبرز فرصة مهمة للتعريف بمدينة فوه، التي لا تبعد عنها سوى نحو 12 كيلومترًا.
لماذا لا تتحول أيام المولد إلى مناسبة للتعريف بكنوز المحافظة، من خلال تنظيم رحلات ثقافية وسياحية إلى فوه، يتعرف خلالها الزائرون على المساجد الأثرية والوكالات التاريخية وورش صناعة الكليم؟
إن الربط بين المدينتين يمكن أن يقدم نموذجًا للتكامل بين السياحة الدينية والثقافية والحرفية؛ فدسوق تمتلك مكانة دينية راسخة، وفوه تمتلك رصيدًا معماريًا وحرفيًا متميزًا.
ويمكن أن يبدأ المسار من المسجد الإبراهيمي، مرورًا بالمعالم التاريخية في دسوق، وصولًا إلى فوه، حيث المساجد القديمة وورش الحرف اليدوية، لتصبح الرحلة تجربة متكاملة تجمع بين الروح والتاريخ والفن.
وهذا التصور يحتاج إلى تعاون بين وزارات الثقافة والسياحة والآثار، ومحافظة كفر الشيخ، والجهات المعنية بالحفاظ على التراث، بما يضمن تقديم تجربة منظمة ومستدامة يستفيد منها أبناء المدينتين.
إن الحفاظ على هذا التاريخ يحتاج إلى رؤية تتجاوز الاحتفاء به؛ فالتراث المعماري يحتاج إلى الترميم والصيانة والتوثيق، والحرف اليدوية تحتاج إلى الدعم والتسويق، والشوارع التاريخية تحتاج إلى خدمات تليق بقيمة المكان، كما يحتاج الزائر إلى مسارات واضحة ومعلومات موثقة تساعده على اكتشاف المدينة.
والأهم أن يكون أبناء فوه جزءًا أساسيًا من أي خطة للتطوير؛ فهم الأقدر على فهم احتياجات مدينتهم، والأكثر ارتباطًا بتفاصيلها وحكاياتها.
بعد هذه الرحلة، خرجت بانطباع أن في دسوق تتجدد المحبة في رحاب المسجد الإبراهيمي، وفي فوه نرى المآذن شاهدة على تاريخ عريق، وأنامل الحرفيين تنسج ملامح الهوية على الأنوال اليدوية.
فوه تحتاج إلى أن نمنح تاريخها فرصة للحياة، وأن نسمع حكايات أبنائها قبل أن تتحول إلى ذكريات.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض