بدون رتوش
فى تطور جديد يعكس هشاشة المشهد العربى، عادت العلاقات الأردنية السورية إلى دائرة التوتر، عقب الغارات الجوية التى نفذها سلاح الجو الأردنى فى جنوب سوريا، واستهدفت مواقع وصفها الجيش الأردنى بأنها أوكار لجماعات مسلحة، وأسفرت، وفقًا للسلطات السورية، عن مقتل سبعة مدنيين، بينهم أطفال ونساء. وبينما أعربت عمّان عن أسفها العميق لسقوط ضحايا أبرياء، برزت تساؤلات حول ملابسات العملية، وحدود التنسيق بين البلدين، وانعكاسات الحادث على علاقاتهما؟.
لقد بدأت الأزمة عقب الهجوم المسلح الذى استهدف كنيسة للروم الأرثوذكس فى منطقة حمود بمحافظة الكرك الأردنية، أثناء إقامة مراسم عزاء، عندما أطلق ثلاثة مسلحين النار، ما أسفر عن مقتل تسعة أشخاص وإصابة العشرات. وأثار الحادث صدمة واسعة داخل الأردن، ودفع السلطات إلى التحرك الأمنى وملاحقة المشتبه بهم، الذين جرى توقيفهم لاحقًا عقب مواجهة مع قوات الأمن.
وفى أعقاب الهجوم، أعلن الجيش الأردنى تنفيذ عملية أطلق عليها اسم «الردع الأردنى - حمود»، استهدفت مواقع فى جنوب سوريا، قال إنها تابعة لتنظيمات إرهابية ترتبط بالعناصر المتورطة فى الاعتداء على الكنيسة، مؤكدًا أن العملية نُفذت بالتنسيق مع الحكومة السورية. غير أن دمشق نفت وجود تنسيق مسبق أو إخطار رسمى، وأعلنت فتح تحقيق للوقوف على ملابسات الغارات، بعدما أفادت فرق الدفاع المدنى بسقوط سبعة قتلى مدنيين، بينهم ثلاثة أطفال، فى محافظتى درعا والسويداء.
وأمام هذه التطورات، أعربت المملكة الأردنية عن أسفها لسقوط ضحايا مدنيين، وأكد وزير خارجيتها احترام بلاده لسيادة سوريا وأمنها. كما اتفق البلدان على تشكيل لجنة أمنية مشتركة لمراجعة تفاصيل العملية وتداعياتها، فى خطوة تعكس إدراك الطرفين لخطورة انزلاق الخلاف إلى أزمة أوسع، خاصة فى ظل المصالح الأمنية والاقتصادية المشتركة بين البلدين، وأهمية ضبط الحدود ومواجهة التنظيمات المتطرفة وعمليات التهريب.
غير أن المشهد يطرح تساؤلًا مهمًّا مفاده: كيف يمكن أن تتحول مواجهة الإرهاب إلى مصدر توتر بين دولتين عربيتين يفترض أن تجمعهما المصالح المشتركة؟ فمن حق الأردن حماية أمنه ومواطنيه، كما أن من حق سوريا حماية سيادتها وأرواح المدنيين على أراضيها، ولا ينبغى أن يكون المدنيون ثمنًا لأى حسابات أمنية أو عسكرية.
والمؤسف أن هذه الأزمة ليست استثناءً فى واقع عربى أنهكته الخلافات؛ والنموذج يتمثل فى اليمن الذى لا يزال يعانى من تداعيات صراع طويل، وليبيا التى لم تتجاوز حتى الآن انقساماتها السياسية، والسودان الغارق فى حرب مدمرة، فضلًا عن التوترات بين دول عربية شقيقة فى أكثر من ساحة. وبدلًا من توحيد الجهود لمواجهة التحديات المشتركة، تتسع دوائر الخلاف بين الأشقاء، بينما تستفيد القوى المعادية من ضعف الموقف العربى وتشتته.
إن العتاب هنا ليس موجها للأردن أو سوريا وحدهما، بل لكل الدول العربية التى تركت خلافاتها تستنزف مقدراتها، وتضعف قدرتها على حماية مصالحها. وعليه نتساءل: أما آن الأوان لتجاوز الحسابات الضيقة، وتغليب الحوار والتنسيق، والالتفات إلى التحديات الحقيقية التى تهدد أمن المنطقة ومستقبل شعوبها؟ أما آن الأوان لأن تتحد الأمة العربية بدلًا من أن تظل جراح الأشقاء مفتوحة؟ يتعين على العرب اليوم أن يدركوا أن الوحدة هى طوق النجاة الذى يعصم الأمة ويحفظ لها مقدراتها.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض