بدون رتوش
«يوسف إدريس» كإنسان يتمسك بعقد المغامرة عند الرجل، ونقطة ضعفه هى المرأة أية امرأة ولهذا تمنى لو أن نساء العالم اجتمعن فى امرأة واحدة لكى يظفر بها بمفرده. وعندما أسأله عن حجم التضارب فى حياته؟ يجيبنى قائلا: (التضارب مهول. أنا أحب كل نساء العالم. هذه نقطة ضعفى، وأتمنى كما قال «برنارد شو» أن تجتمع النساء جميعا فى امرأة واحدة. حتى القبيحة أشعر أن فيها جمالا من نوع آخر. ولكنى ومن خلال تعاملى مع النساء وصلت إلى قاعدة مؤداها أن صاحبة الصوت الحلو تكون قبيحة والعكس صحيح).
يدلف «يوسف إدريس» إلى موضوع آخر عندما يتحدث عن الكاتب، فيرى أنه يحتاج إلى حد أدنى من الشجن وحد أدنى من التفاؤل، حيث أن المزاج الكامل يحول دون الكتابة. وأحيانا تكون درجة الأزمة أعنف وأعمق من أن يتغلب عليها المرء بالكتابة. وعندما أتطرق معه إلى الحرية، وكيفية التخلص من المراهقة الفكرية يقول: (أنشد المزيد من الحرية فهى الأكسجين الذى يساعد الأشكال الضعيفة على الحياة من أجل أن تقوى، ومن ثم يساعد على قتل العناصر الطفيلية والمتجمدة التى هى ضد الحياة. حيث أن الحرية هى إكسير الحياة والتقدم، وجرعة منها تكون السبيل للتخلص من المساوئ).
يناقضنى فى أن المفارقات اليومية هى المحور فى الحياة، ولكن يتفق معى فى كونها تلعب دورا فى حياة المرء. ولقد لعبت معه دورا مضحكا عندما جاءته ابنته وهى فى السادسة من عمرها وسألته: (ألست كاتب قصة؟ فقال لها: نعم. فقالت له: إذن احكِ لى قصة). أخذ «يوسف إدريس» يومها الموضوع ببساطة، وحاول أن يقص عليها قصة للأطفال. إلا أنه بعد قليل وجد أن المهمة شاقة جدا فتوقف وفشل ككاتب قصة. وحدث نفسه يومها قائلا: (لكى أصل إلى عالم الأطفال لابد أن يكون لدىّ خيال جامح حتى يمكننى غزو أحلامهم وأنا فشلت فى ذلك).
اختار «يوسف إدريس» عنوانين اثنين لأشهر رواياته (الحرام، والعيب) واللافت أن العنوانين يدوران حول حكم أخلاقى لا حول حدث أو شخصية. ويدخل القارئ للرواية وهو يحمل معنى مسبقا للكلمتين. ثم يكتشف مع تقدم الأحداث أن السؤال يدور حول الجهة التى تمنح نفسها حق إطلاق هذه الأحكام، وكيف تتحول الكلمات إلى وسيلة لضبط سلوك المرأة، ورسم حدود حركتها داخل المجتمع. وتتفق الروايات الثلاث (الحرام والعيب والبيضاء) على حضور شبكة من الأحكام الاجتماعية تسبق المرأة أينما ذهبت. تبدأ هذه الأحكام داخل الأسرة ثم تنتقل إلى الجيران وبيئة العمل والشارع، وتنتهى عند المؤسسات الرسمية. ويمنح هذا التراكم المجتمع سلطة واسعة فى تشكيل صورة المرأة، ويجعل تقييمها يرتبط بما يراه الآخرون أكثر من ارتباطه بما تراه هى عن نفسها.
فى (الحرام) تتحول القضية الشخصية إلى قضية عامة منذ اللحظة التى يكتشف فيها المجتمع حمل عزيزة. يتراجع الحديث عن ظروفها الاقتصادية وعن طبيعة العمل الشاق الذى كانت تقوم به، وعن غياب أى حماية اجتماعية للنساء العاملات فى الريف. فى حين تتقدم أسئلة أخرى تتعلق بالشرف والسمعة والعقاب. وهكذا ينتقل الاهتمام من الأسباب إلى النتيجة، ومن الظروف التى آلت إلى المرأة وصنعت أكبر المآسى لها حيث غدت تحمل كل آثارها.
رحم الله الدكتور (يوسف إدريس)، الأديب العاشق الذى رأى أن الكتابة ليست ضربا من الهلوسة وإنما هى الحقيقة التى تعين الإنسان على اجتياز الواقع.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض