رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

علي جمعة يكشف 7 أوهام وراء الخوف من الموت

الدكتور علي جمعة
الدكتور علي جمعة

قال الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية السابق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، إن الخوف من الموت قد يرتبط في كثير من الأحيان بالأفكار والتصورات التي يحملها الإنسان في ذهنه عن الموت وما بعده، موضحًا أن بعض هذه التصورات تحتاج إلى تصحيح في ضوء العقيدة الإسلامية، ومشيرًا إلى أن الخوف من الموت لا ينبغي أن يتحول إلى حالة من اليأس أو القنوط من رحمة الله تعالى.
 

وأوضح علي جمعة أن هناك سبعة تصورات أساسية قد تزيد خوف الإنسان من الموت، مؤكدًا أن النظرة الإسلامية إلى الموت لا تقوم على اعتباره نهاية مطلقة، وإنما انتقال إلى مرحلة أخرى من مراحل الوجود.

الموت ليس فناءً

أوضح الدكتور علي جمعة أن أول التصورات التي تحتاج إلى تصحيح هو اعتقاد الإنسان أن الموت يعني الفناء والنهاية، بينما ينظر الإسلام إلى الموت باعتباره انتقالًا من دار إلى دار.

قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: 185].

فالآية تربط الموت بما بعده، وتؤكد أن الجزاء الكامل يكون يوم القيامة، بما يدل على أن الموت ليس نهاية قصة الإنسان، وإنما مرحلة ينتقل بعدها إلى الحياة الآخرة.

رحمة الله هي أوسع أبواب النجاة

وأشار علي جمعة إلى أن التصور الثاني الذي قد يزيد خوف الإنسان من الموت يتمثل في اعتقاده أن أعماله وحدها هي التي تنجيه، بينما تؤكد النصوص الشرعية أن دخول الجنة يكون برحمة الله وفضله.

وفي الحديث الصحيح قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة»، رواه البخاري ومسلم.

ولا يعني ذلك التقليل من شأن العمل الصالح، فالعمل سبب من أسباب رضوان الله ورحمته، وإنما لا يستغني العبد عن فضل الله ورحمته مهما بلغ عمله.

القبر ليس بالضرورة موضع عذاب

وتحدث الدكتور علي جمعة عن التصور الثالث، وهو اعتقاد بعض الناس أن القبر شر محض وأن الإنسان سيبقى فيه على هذه الحال، موضحًا أن التصور الإسلامي لعالم البرزخ يتضمن وجود النعيم والعذاب، وليس العذاب وحده.

وقد ثبت في السنة النبوية ذكر نعيم القبر للمؤمن، كما ثبت ذكر عذابه لمن يستحقه، ولذلك لا يصح أن يتصور الإنسان أن مجرد دخوله القبر يعني حتمًا وقوعه في العذاب.

قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ ۝ فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ ۝ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: 92-94]، كما وردت نصوص أخرى في نعيم أهل الإيمان.

المؤمنون في أمان يوم القيامة

وأشار علي جمعة إلى أن التصور الرابع يرتبط باعتقاد أن كل إنسان سيواجه أهوال يوم القيامة بالطريقة نفسها، بينما جاءت النصوص ببيان أن الله تعالى يكرم عباده المؤمنين، ويجعل لهم أمنًا ورحمة في ذلك اليوم العظيم.

قال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ۝ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ۝ لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: 62-64].

وثبت في الحديث أن من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله الإمام العادل، والشاب الذي نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، وغيرهم، وهو حديث متفق عليه.

كما ورد في السنة وصف بعض أهل الإيمان بأنهم يكونون على منابر من نور، ومن ذلك الحديث الذي رواه مسلم في فضل المتحابين في الله.

لا تقنط من قبول عملك

أما التصور الخامس الذي أشار إليه الدكتور علي جمعة، فهو اعتقاد بعض الناس أن الله لم يقبل منهم أعمالهم، وأنهم مهما اجتهدوا فلن ينالوا رحمته.

والصحيح أن المسلم يجمع بين الخوف والرجاء، فيخاف ألا يكون عمله مقبولًا، لكنه لا يقنط من رحمة الله، بل يحسن الظن بربه ويسأله القبول.

قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: 60].

وقد فسرت السيدة عائشة رضي الله عنها الآية بأنها تتعلق بمن يعملون الطاعات ويخافون ألا تُقبل منهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون أن لا يقبل منهم»، رواه الترمذي وابن ماجه.

الله يقبل التوبة عن عباده

وأشار علي جمعة إلى أن التصور السادس يتمثل في اعتقاد الإنسان أن ذنوبه تمنعه من التوبة وأن الله لن يقبل رجوعه إليه، مؤكدًا أن هذا التصور يخالف ما قررته النصوص الشرعية من سعة رحمة الله وقبول توبة عباده.

قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى: 25].

وقال سبحانه في أعظم آيات الرجاء: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53].

وهذه الآية تفتح باب الرجاء أمام من أذنب ثم أراد العودة إلى الله، فلا يجوز للمسلم أن يجعل ذنوبه سببًا للقنوط من رحمة ربه.

ليس كل من استحق العقوبة يعاقب

أما التصور السابع، فأشار الدكتور علي جمعة إلى اعتقاد بعض الناس أن الله تعالى لا بد أن ينفذ الوعيد في كل من ارتكب ذنبًا واستحق العقوبة، بينما قرر علماء العقيدة أن الوعيد ليس كالوعد؛ فالله سبحانه لا يُلزم نفسه بإنزال العقوبة على من استحقها، وله أن يعفو عنه بفضله ورحمته.

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 48].

وتوضح الآية أن ما دون الشرك داخل في مشيئة الله تعالى، فيغفر لمن يشاء ويعاقب من يشاء، مع التأكيد على أن التوبة الصادقة تبقى بابًا مفتوحًا للعبد ما دام في زمن قبول التوبة.

كيف ينظر المسلم إلى الموت؟

وتكشف هذه المعاني أن التعامل مع الموت في الإسلام لا يقوم على الرعب المجرد، وإنما على التوازن بين الخوف والرجاء؛ فيخاف المسلم من التقصير والذنوب، لكنه في الوقت نفسه لا ييأس من رحمة الله.

كما أن استحضار الرحمة الإلهية لا يعني ترك العمل أو الاستهانة بالمعاصي، وإنما يعني أن يسعى الإنسان إلى الطاعة، ويجتهد في إصلاح نفسه، ويعود إلى الله كلما أخطأ، وهو يحسن الظن بربه.

رحمة الله تسبق غضبه

وقد ثبت في صحيح البخاري وصحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيما يرويه عن ربه سبحانه: «إن رحمتي سبقت غضبي».

ومن هنا، فإن الخوف من الموت لا ينبغي أن يتحول إلى خوف من لقاء الله تعالى عند المؤمن الذي يسعى إلى إصلاح عمله والتوبة من ذنبه، بل يستحضر دائمًا أن الله سبحانه وتعالى واسع الرحمة، وأن أبواب التوبة والرجاء مفتوحة.

وفي النهاية، فإن الموت حقيقة لا مفر منها، قال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: 78]، لكن الإيمان بما بعد الموت يجعل المسلم يتعامل معه باعتباره انتقالًا إلى دار الآخرة، فيستعد له بالعمل الصالح، دون أن يسمح للخوف أن يقوده إلى القنوط من رحمة الله.