الكذب.. خلق ذميم كشف القرآن صفات أصحابه
أكدت دار الإفتاء المصرية أن الكذب من الأخلاق الذميمة التي نهى عنها الشرع، وهو خُلُق يجعل صاحبه يقول الشيء على غير حقيقته ويخالف الواقع، موضحة أن الشريعة الإسلامية حذرت من هذا السلوك لما يترتب عليه من آثار سيئة على الفرد والمجتمع، وربطت بين الصدق والاستقامة وبين الكذب والفجور.
الكذب من صفات المنافقين
وأوضحت دار الإفتاء المصرية أن القرآن الكريم ذكر الكذب في سياق الحديث عن المنافقين، فقال الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: 1].
وبيّنت دار الإفتاء أن الكذب لا يتفق مع أخلاق المؤمن الذي يتحرى الصدق في أقواله وأفعاله، وأن الاستمرار في الكذب يبعد الإنسان عن طريق البر والاستقامة.
حديث نبوي يحذر من الكذب
وجاء في الحديث الشريف عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ»، وهو حديث متفق عليه أخرجه البخاري ومسلم.
وأشارت المصادر الحديثية إلى أن المقصود بهذه الخصال أنها من علامات النفاق العملي، أي أن من اتصف بها فقد شابه المنافقين في هذه الأخلاق والأفعال، وليس المقصود بمجرد وقوع المسلم في خصلة منها الحكم عليه بالنفاق الاعتقادي.
الصدق يقود إلى البر والكذب يقود إلى الفجور
وحذرت دار الإفتاء من خطورة الاستمرار في الكذب، مستندة إلى حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: «إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ»، رواه البخاري.
ويبين الحديث أن تكرار الصدق يجعل صاحبه معروفًا به، كما أن اعتياد الكذب والاستمرار فيه قد يجعل صاحبه يوصف به، وهو ما يؤكد أهمية مراقبة الإنسان لكلامه والتحقق من حقيقة ما ينقله للآخرين.
نشر الأخبار دون تثبت قد يتحول إلى كذب
ولا تقتصر خطورة الكذب على اختلاق الأخبار من البداية، وإنما قد يقع الإنسان فيه عندما ينقل كل ما يسمعه دون التأكد من صحته.
وفي هذا السياق، حذرت دار الإفتاء المصرية من ترويج الأخبار والشائعات غير الموثقة، واستشهدت بحديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ»، رواه مسلم في مقدمة صحيحه.
ويؤكد ذلك ضرورة التثبت قبل نقل الأخبار، خاصة مع سرعة انتشار المعلومات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حتى لا يصبح الإنسان سببًا في تداول معلومة غير صحيحة أو الإضرار بآخرين.
هل يجوز الكذب في المزاح؟
وأكدت دار الإفتاء المصرية أن المزاح لا يجعل الكذب مباحًا، موضحة أن الأصل في الكذب أنه مذموم، سواء وقع في الكلام الجاد أو على سبيل المزاح من أجل إضحاك الآخرين.
واستندت دار الإفتاء إلى حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ بِالْحَدِيثِ لِيُضْحِكَ بِهِ الْقَوْمَ فَيَكْذِبُ، وَيْلٌ لَهُ، وَيْلٌ لَهُ»، رواه الترمذي.
ومن ثم فإن المزاح المقبول هو الذي لا يقوم على اختلاق الوقائع أو تضليل الآخرين أو إلحاق الضرر بهم.
الكذب وخيانة الأمانة وإخلاف الوعد
وجاء الحديث النبوي جامعًا لثلاث خصال من علامات النفاق العملي، وهي الكذب عند الحديث، وخيانة الأمانة، وإخلاف الوعد، بما يكشف الترابط بين الأخلاق التي تفسد الثقة بين الناس.
فالإنسان الذي يعتاد مخالفة الحقيقة في حديثه، ثم لا يحافظ على الأمانة أو لا يلتزم بوعوده، يعرّض علاقاته مع الآخرين للاضطراب، بينما يقوم المجتمع السليم على الثقة والصدق والوفاء.
الصدق أساس الثقة بين الناس
وفي المقابل، جعل الإسلام الصدق من الأخلاق الأساسية التي ينبغي أن يتحلى بها المسلم، لما له من أثر في بناء الثقة وحفظ الحقوق واستقامة التعاملات بين الناس.
وأكدت دار الإفتاء أن النصوص الشرعية توضح أن الصدق يقود إلى البر، بينما يقود الكذب إلى الفجور، وهو ما يجعل التحلي بالصدق ومراقبة اللسان من أهم أبواب تهذيب النفس والتحلي بمكارم الأخلاق.
الكلمة مسؤولية
وتكشف هذه النصوص أن الكلمة ليست أمرًا عابرًا، فالإنسان مسؤول عما يقول، ولذلك ينبغي عليه أن يتحرى الصدق، وألا ينقل ما لا يعلم صحته، وألا يجعل المزاح سببًا لاختلاق الوقائع أو تضليل الآخرين.
ومن هنا تأتي أهمية التمسك بالصدق والأمانة، والابتعاد عن كل ما يفسد الثقة بين أفراد الأسرة والمجتمع، حتى تظل الكلمة وسيلة للإصلاح والبناء لا سببًا للضرر والفتنة.
وتؤكد دار الإفتاء المصرية أن التحذير من الكذب يأتي ضمن منظومة أوسع من الأخلاق التي دعا إليها الإسلام، وفي مقدمتها الصدق والأمانة والوفاء بالوعد، وهي قيم تسهم في بناء شخصية المسلم وحماية العلاقات بين الناس من الخداع والاضطراب.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض

