رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

يهود السودان يعودون لإعادة الإعمار والكونجرس يطالب بتعويضاتهم كلاجئين

إحدى حفلات الزفاف
إحدى حفلات الزفاف ومراسمها فى معابد السودان اليهودية

لا يعلم الكثيرون أن السودان كانت تعيش فيها جالية يهودية كبيرة وميسورة الحال ومتعددة الأصول والجذور، صحيح لم ترقى إلى ما وصلت إليه مثيلاتها فى مصر مثل تولّى "يوسف قطاوى" باشا حقيبة المالية وبعدها المواصلات سنة 1924 و1925، ووصوله الى عضوية مجالس النواب والشيوخ من 1918 الى 1921، بالإضافة الى نماذج أخرى فى دول عربية مثل "ساسون حزقيل" أنجح وزير مالية فى العراق من 1918 الى 1921، وأخرهم "أندريا أزولاى" مستشار الملك الحسن 2 ثم إبنه محمد 6 فى المغرب من سنة 1990 حتى 2025، بعد تنحيه وتكريمه عند بلوغه سن 82، وبالمناسبة المستشار " أزولاى " كان مستشار دولة الإحتلال فى نفس الوقت الذى يقدم فيه خدماته للمغرب !.

دعوة يهود السودان لإعادة الإعمار 

من هو نصر الدين مفرح؟ - معلومات حول الشخصية
نصر الدين مفرح

 فوجئنا منذ شهرين بأخبار متداولة عن موافقة قوات " الدعم السريع " على عودة يهود السودان والمساهمة فى إنعاش إقتصادها، بالإضافة الى توقيع دولة الجوار الجنوبى للإتفاق الإبراهيمى فى 6 يناير 2021، مع تنفيذ التطبيع منذ أكتوبر 2020، وبعدها خرج وزير الشئون الدينية والأوقاف السودانى  " نصر الدين مفرح" فى حكومة عبدالله حمدوك 2019 – 2020 ودعا فى وسائل الإعلام قبل حلف اليمين يهود السودان للعودة لبلدهم من أجل المشاركة فى إعادة الإعمار وإنعاش إقتصادها !.

 كيف أتى اليهود الى السودان؟ 

Comboni College Scouts 1944_edited.jpg
أبناء اليهود السودانيين المتوطنين وأبناء البلد

 بعد سقوط الدولة الإسلامية فى الأندلس وغرناطة فى القرن 14 الميلادى وسيادة الحكم المسيحى الكاثوليكى طردوا اليهود، وقتلوهم وخيرّوهم إما بتغيير ديانتهم للمسيحية أو الموت مثلما فعلوا مع المسلمين أيضا، فهرب عدد كبير جدا منهم الى الدول العربية فى الشرق الأوسط بما فيها إيران وتركيا واليونان حيث كانوا جميعا تحت الحكم العثمانى الإسلامى، والذى إستوعب اليهود وكل أصحاب الديانات السماوية الأخرى وتعايش الجميع فى سلام وتمتعوا بكامل حقوقهم المدنية والدينية، وفضّل جزء أخر فى عام1821 الهروب الى مصر والسودان.

وظلت أعداد اليهود الوافدين على السودان تتزايد على مدار القرنين 19 و20 حتى وصلوا الى أكتر من ألف نسمة حتى سنة 1956، وإلتقت صحيفة " جويش كرونيكل" وهى أقدم صحيفة إنجليزية يهودية منذ عام 1844، مع صحفية سودانية تٌدعى " ديزى عبودى" تنحدر أصولها من عائلة يهودية سودانية هاجر أجدادها الى سويسرا بعد خروجهم بالتدريج حتى 1977، وقامت" عبودى" بجمع كل الوثائق التاريخية من كل يهود السودان على مستوى العالم وأنشأت موقع إلكترونى حتى لا تضيع سيرتهم وحقوقهم معا حسب الصحيفة.

اليهود المتأسلمين 

Painted mural depicting the Mahdi on a horse leading a charging army
جدارية ثورة المهدى فى الخرطوم

وذكرت "عبودى " فى سردها لتاريخ اليهود السودانيين، أن هناك أحدى الشخصيات التاريخية يٌدعى محمد عبدالله المهدى قام بثورة سنة 1885 على الحكم العثمانى فى الخرطوم وكانت له ميول دينية متطرفة، وخيّر المهدى اليهود فى السودان بين الموت أو إعتناق الإسلام ، وبالفعل دخل بعضهم فى الإسلام وموجودين حتى الأن هناك، ويعيش معظمهم فى "أم درمان" وتزوجوا من سودانيات مسلمات، والبعض الأخر ظل على ديانته سرا، وتزوجوا مسلمات وصلوا فى المساجد خلال فترة المهدى وأطلقوا عليهم إسم العائلات " المَسلِمة "، يعنى الذين أسلموا ووصل من هؤلاء الى مراكز مرموقة فى المجتمع السودانى.

 حتى دخل الحكم العسكرى البريطانى فى عام 1898 بقيادة "كيتشنر" الذى أزاح "المهدى" من السلطة  وحكم السودان ، وحكمها الجيشين البريطانى والمصرى معا.

الخرطوم عاصمة الموضة والجمال:

 وكانت أعداد العائلات اليهودية فى ذلك الوقت قد بلغت من 4 ل 8 عائلات، من بينهم إثنين وثّقوا أو سجلوا عودتهم لديانتهم الأصلية اليهودية مرة تانية من بينهم " موسى بنزايون كوشتى" والذى عرّب أسمه "لموسى بسيونى"، ومن المفارقة أن هذه العائلة يمتد أصلها لعائلة " بنزايون" اليهودية المصرية، وقاموا بالتعاون مع بعضهما البعض وأنشأوا فرعا لمحلات " عدس" فى السودان، كما قام "سيكوريل" المشهور بعقد مؤتمرا إقتصاديا مع إخوته فى السودان حول تجارة القماش، لدرجة أن يهود السودان عملوا بيوت أزياء وعروض دورية فى الخرطوم اللى كانوا يطلقون عليها "مدينة الموضة".

ملكة جمال الخرطوم
ملكة جمال الخرطوم

 ولنا ان نتخيل مدينة "الخرطوم" المدمرة حاليا كانت مدينة للموضة وندا قويا لمثيلتها "القاهرة" سنة 1926 حيث  كانتا تابعتين لمملكة مصر والسودان معا، ليس هذا فحسب بل كانت " الخرطوم" تستضيف  مسابقات ملكات الجمال بعنوان " زينا" ، وفازت "عزيزة آدم منديل" من أصل يهودى سورى وسودانية الجنسية بلقب ملكة جمال الخرطوم سنة 1958 حسب إذاعة مونت كارلو الفرنسية.

وتعود أصول معظم العائلات اليهودية السودانية الى اليونان وسوريا وأسبانيا، وهو السر وراء بشرتهم البيضاء رغم غنتمائهم للسودان  ومن بين هذه العائلات: آل منديل، آل إسرائيل، أسرة عدس وتنحدر من يهود سوريا، عائلة آل سالمون ملكا، وعائلة آل باروخ، وآل قارون  وينحدرون من يهود المغرب، وآل تمام وآل دويك وآل عبودي وآل الياهو وآل ساسون.

ملوك الصمغ العربى:

إخوة عائلة إسحاق وإخوة مراد رجال الأعمال اليهود فى السودان 1943
إخوة عائلة إسحاق وإخوة مراد رجال الأعمال اليهود فى السودان 1943

وتحولت بعض هذه العائلات الى الديانة الإسلامية، ثم عادوا الى إعلان ديانتهم اليهودية عندما هربوا من بلادنا الى إسرائيل بعد إقامتها سنة 1948، وكان هناك عدة معابد في الخرطوم وأم درمان يواظبون على الصلاة وإقامة شعائرهم واعيادهم وجنائزهم فيها، وعاشوا فى المدن المٌطلة على النيل لممارستهم للتجارة عبره، فى الخرطوم وأم درمان ووادى مدنى وولاية شمال الخرطوم، ومن أبرز أنواع أنشطتهم تجارة القماش والمجوهرات والخمور والحرير والصمغ العربى الذى تشتهر بزراعته السودان، وكانت تبلغ حجم تجارته أكثر من 7 مليار دولار قبل إندلاع الحرب منذ سنتين، ومن دواعى الحسرة أن السودان بتشارك ب 70% من الإنتاج العالمى من الصمغ يعنى تقريبا تحتل المركز الأول.

نتنياهو سودانيا !!:

Netanyahu says Israel and Hamas expected to begin Gaza ceasefire's second  phase soon - France 24
بنيامين نتنياهو

والمفاجأة التى ذكرها موقع "مونت كارلو" الفرنسى نقلا عن قناة تلفزيونية إسرائيلية " إن بنيامين نتنياهو رئسي الوزراء الحالى تعود أصوله الى السودان ، ولد في مدينة "حالوف" فى شمال السودان سنة 1949، وأسمه الحقيقي هو عطاالله عبد الرحمن شاؤول "  وكان من بين العائلات اللى غيّرت أسماءها، ومازال لديه أقارب من ذوي البشرة السوداء من الدرجة الثانية، لكن عائلة نتنياهو كانت غنية وهاجرت الى الولايات المتحدة وإسرائيل.

"كلوب الأزبكية" السودانى :

الحاخام شلومو ملكا يترأس إحدى مآدب الطعام فى النادى 
الحاخام شلومو ملكا يترأس إحدى مآدب الطعام فى النادى 

عاشت الجالية السودانية اليهودية تجتمع فى نادى "ازبازيا كلوب" المماثل لنادى " كلوب الأزبكية" فى حديقة العتبة فى القاهرة، كما كان لهم " كنيس " فى قلب شارع فيكتوريا بالخرطوم، ومقابرهم موجودة حتى الأن وتجددت فى 2021، وظلّوا مستقرين حتى الأربعينيات حتى وصول حاخام مصرى إسمه "الباز" بدل الحاخام السودانى الذى توفى وكان يقوم هو و زوجته بمهمة تهويد المواليد، وطهارتهم ويفتحون الكنيس ويقيمون كل المراسم والشعائر، وكان الأجانب الإيطاليين واليونانيين والأرمن سواء كانوا يهود أو غيره يفضلون الإجتماع والجلوس إليهم، لأنهم متعلمين ومنفتحين على العالم ويتكلمون لغات أجنبية.

الدين لله والسودان للجميع :

كارت إلياهو عبودى فى أم درمان قبل مغادرته للسودان
كارت إلياهو عبودى فى أم درمان قبل مغادرته للسودان

كان اليهود السودانيين على علاقة جيدة بالمسيحيين والمسلمين فهم أبناء وطن واحد وهو السودان، كما تصفها " لينا تامان " يهودية سودانية هاجرت لسويسرا أثناء طفولتها، وقالت " تامان " فى شهادتها سنة 2017  فى صحيفة " جويش كرونيكل " الإنجليزية أن إحساسها بالأمان مع أهلها كان وسط السودانيين، لدرجة إنهم كانوا فى ليالى الأعياد يمكن لهم قضاء الليلة والنوم على الأرض فى حديقة الكنيس حتى الصباح بدون خوف، كما نقلت "ديزى عبودى" الصحفية اليهودية سودانية الأصل شهادة جدها " إلياهو عبودى" فى خطاب له كتبه بعد مغادرته للسودان قال فيه " كم كانت السودان بلد عظيمة لليهود والمسيحيين وكل إنسان، وجميلة للعيش فيها وسط الشعب السودانى العظيم".

" الخروج":

IMG_8316.JPEG
بقايا مدافن اليهو حاليا فى السودان

وظل السلام والوئام يسود أجواء المجتمع السودانى بين أبناءه على مختلف طوائفه الدينية والعرقية، حتى أعلنت السودان إستقلالها فى 1956 بعد قيام ثورة 23 يوليو 1952 فى مصر، وكانت دولة الإحتلال الإسرائيلى قد تم إعلانها فى 1948، وبدأت المشاحنات والبغضاء تسود بين العرب واليهود بصفة عامة فى كل أنحاء البلدان العربية والإسلامية التى تجمع اليهود المواطنين بإخوانهم من باقى الديانات الأخرى.

 وظلت الجالية اليهودية فى السودان تقاوم كل دعاوى الهجرة، فقد كانوا أصحاب أعمال وتجارة ومصانع ومحال يصعب عليهم تركها، ولكن مع ممارسة الضغوط عليهم بعد نشوب العدوان الثلاثى على مصر فى 1965 بدأوا يخرجوا من السودان بشكل فردى وغير ملفت للنظر، وإستمروا فى الخروج بعد نكسة 1967 ثم إنتصار حرب أكتوبر 1973، حتى خرج أخر شخص سنة 1977.

إستطاع البعض أن يصطحب معه أمواله أو ما تيسر له من ثروات أثناء الخروج، وأخرين تركوا كل شىء ولكن تاريخهم ومهاراتهم فى التجارة وعلاقاتهم الدولية مكنتهم أنهم يهاجروا الى مختلف دول العالم مثل، سويسرا وبريطانيا وأمريكا وإسرائيل بالطبع، إستطاعوا أن يكوّنوا ثروات ويصنعوا أعمال أخرى فى هذه البلدان وإستعانوا بلغاتهم الأجنبية وكان كتير منهم يتكلمون 3 وأربع لغات حية.

الكونجرس : "اليهود كانوا لاجئين وليسوا مواطنين فى بلادكم ولهم تعويضات" !:

قانون  الكونجرس لتعويض اليهود عن ممتلكاتهم فى دول الشرق الأوسط
قانون  الكونجرس لتعويض اليهود عن ممتلكاتهم فى دول الشرق الأوسط

وكانت لجنة حقوق الإنسان والشؤون الخارجية فى الكونجرس فى 2 مارس 2016 أصدرت تقرير رقم 4664 مثل مشروع قانون، عدّلت فيه نصوص القانون رقم 185 الصادر فى 1 ابريل 2008، والذى يطالب فيه الرئيس الأمريكى بتكليف مندوب فى الأمم المتحدة وكل المنظمات والتحالفات الثنائية ومتعددة الأطراف، للمطالبة بحقوق اليهود والمسيحيين والأقليات وحتى العرب مثل الأكراد واليزيديين وغيرهم، ممن يحسبهم القانون أقليات واللذين إعتبرتهم الولايات المتحدة كانوا بمثابة لاجئين فى البلاد العربية والشرق الأوسط والخليج العربى وشمال إفريقيا وليسوا مواطنين ذوات حقوق وواجبات فى هذه الدول.

 وينص القانون وتعديلاته أن اليهود عاشوا فى هذه البلاد لمدة تزيد عن 2500 سنة كالاجئين، ولا يمكن تجاهلهم وإلقاء الضوء عليهم لأن التركيز الدولى دائما على اللاجئين الفلسطينيين وحدهم، ومن وجهة نظر المشرعين الأمريكيين هذا ليس عدلا حسب نص القانون.

 وبناء عليه يتم تقييم ممتلكاتهم وأموالهم التى تركوها ويتم تعويضهم عنها، لأن السلام الشامل لن يسود فى المنطقة بدون تحقيق العدل فى مسألة اللاجئين والأقليات كلهم، وقدّر القانون أعدادهم عند الخروج ب 850 ألف نسمة، وقدسبق وتحدث فى هذه المسألة الرئيس الأمريكى اللأسبق جيمى كارتر مع موشى ديان رئيس الوزراء سنة 1977، كما ردده رئيس مفوضية اللاجئين فى الأمم المتحدة سنة 1957 و1967 ثم الرئيس بيل كلينتون سنة 2000 ومن بعده باراك اوباما 2016.

ولم يكن اليهود أو المسيحيين أو الأكراد فى سوريا والعراق أو الأزيديين أو غيرهم لاجئين فى بلادنا، بل كانوا مكونا أساسيا من مجتمعاتنا، ويتمتعون بجنسية البلد التى يعيشون فيها وبيتاجروا ويكسبوا ويتعلموا ويمارسوا شعائرهم الدينية بكل حرية وأمان وذلك بشهادتهم، وعمر ما سلطات هذه البلاد عاملتهم معاملة اللاجئين بدليل إن من بينهم وزراء وأعضاء فى المجالس النيابية سنين طويلة.

وقد زار السودان وفدا دبلوماسيا من إدارة الأملاك الخارجية الإسرائيلية فى 2016، طالب بموجب تعديل نص القانون رقم 4664 للجنة حقوق الإنسان فى الكونجرس الأمريكى فى عهد أوباما، بتعويضات عن ممتلكاتهم اللى قدروها على السودان ومصر وباقى الدول ب 300 مليار دولار لحد 2016 فقط!!.