مؤتمر الإفتاء يفتح ملف التحولات الفكرية التي تهدد هوية الأسرة
تصدرت التحولات الفكرية والقيمية المتسارعة وتأثيرها على مستقبل الأسرة، مناقشات الجلسة العلمية الثالثة ضمن فعاليات المؤتمر الدولي الحادي عشر لدار الإفتاء المصرية، التي عقدت بعنوان «عولمة القيم والتيارات الفكرية وتحديات الهوية الأسرية»، برئاسة فضيلة الدكتور عباس شومان، الأمين العام لهيئة كبار العلماء، وبمشاركة عدد من الباحثين والعلماء، الذين ناقشوا تأثير الذكاء الاصطناعي والهندسة الوراثية والإلحاد الرقمي والممارسات غير المنضبطة على بنية الأسرة ومنظومة القيم.
وشهدت الجلسة نقاشات موسعة حول كيفية التعامل مع المتغيرات الفكرية والتكنولوجية والثقافية الحديثة، بما يحقق التوازن بين الثوابت الشرعية ومتغيرات الواقع، ويعزز قدرة الأسرة على الحفاظ على تماسكها واستقرارها وأداء وظائفها التربوية والاجتماعية.
تحديات جديدة أمام الهوية الأسرية
ناقش الدكتور أحمد محمد إبراهيم الصاوي، مدرس العقيدة والفلسفة بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بدمياط الجديدة، في بحثه «تيار ما بعد الإنسانية وأثره على الهوية الأسرية.. دراسة عقدية فكرية مقارنة»، أحد الاتجاهات الفكرية الحديثة التي برزت بالتزامن مع التطورات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي والهندسة الوراثية والتقنيات الحيوية وواجهات الدماغ والحاسوب وتعديل الجينات.
وأوضح الباحث أن تيار «ما بعد الإنسانية» يسعى إلى تجاوز بعض الحدود البيولوجية والطبيعية للإنسان وإعادة تشكيله من خلال التكنولوجيا، بما يطرح تساؤلات جديدة حول مفاهيم الإنسان والجسد والحرية والأسرة والأبوة والأمومة والهوية الجنسية.
وأكد الصاوي أن أهمية دراسة هذا التيار ترتبط بتأثيره المتزايد في الرؤى المتعلقة بالإنسان والأسرة، والحاجة إلى تأصيل الموقف الإسلامي تجاه قضايا التحسين البشري والهندسة الوراثية والذكاء الاصطناعي.
وأشار إلى أن البحث يستهدف التعريف بتيار ما بعد الإنسانية ونشأته وأبرز أفكاره، وتحليل أثره على الهوية الأسرية، وبيان موقف الفكر الإسلامي من أطروحاته، إلى جانب وضع ضوابط شرعية للتعامل مع التقنيات الحديثة في ضوء النصوص الشرعية ومقاصد الشريعة، خاصة ما يتعلق بحفظ الدين والنفس والعقل والنسل.
حماية الأسرة مقصد شرعي في مواجهة التحولات الثقافية
وفي سياق متصل، تناول الدكتور نجاح عثمان أبو العنين إسماعيل، أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق جامعة دمياط، بحث «الممارسات الجنسية غير التقليدية وأثرها على البنية الأسرية.. دراسة تحليلية في ضوء المقاصد الشرعية».
وأكد الباحث أن الشريعة الإسلامية أولت الأسرة عناية كبيرة باعتبارها أساس العمران الإنساني ومجال السكن والمودة والرحمة، فضلًا عن ارتباطها بمقاصد حفظ الدين والنسل والأخلاق والقيم.
وأوضح أن التحولات الفكرية والثقافية المعاصرة أفرزت اتجاهات وسلوكيات تتجاوز الإطار الذي نظمته الشرائع السماوية للعلاقات الأسرية والجنسية، مشيرًا إلى أن بعض هذه الممارسات تُطرح في بعض البيئات باعتبارها صورًا من الحريات الشخصية أو أنماطًا بديلة للحياة.
وأشار إلى أن أهمية البحث تتمثل في بيان العلاقة بين المقاصد الشرعية واستقرار النظام الأسري، ودراسة الآثار الاجتماعية والنفسية والتربوية لبعض الممارسات غير المنضبطة بالضوابط الشرعية، مع تقديم معالجة علمية تقوم على التأصيل الشرعي والتحليل الاجتماعي بعيدًا عن التهويل أو التبسيط.
«الأسرة».. المؤسسة الأولى لبناء الإنسان
ومن جانبه، تناول الشيخ أحمد ربيع أحمد السيد الأزهري، من علماء الأزهر وأئمة وزارة الأوقاف المصرية، مكانة الأسرة باعتبارها المؤسسة الكبرى والمدرسة الأولى التي يتشكل داخلها الإنسان دينيًا ووجدانيًا وقيميًا وأخلاقيًا وفكريًا.
وأكد أن صلاح الأسرة ينعكس على صلاح المجتمع واستقراره وقدرته على استشراف المستقبل، بينما يؤدي فسادها إلى تهديد الهوية واضطراب الثوابت والقيم.
وأوضح أن الأسرة في المجتمعات العربية والإسلامية تواجه استهدافًا يستهدف تجريدها من سياجها الفطري وميثاقها الديني ومنظومتها الأخلاقية والتربوية، داعيًا إلى تعزيز الوعي بمكانتها ودورها في حماية المجتمع.
وانتهى الباحث إلى أهمية توظيف النظرة المقاصدية في بناء منظومة حماية للأسرة، وإعادة تقديم النماذج المثالية للأسرة من خلال المناهج الدراسية ووسائل الإعلام التقليدية والإلكترونية، إلى جانب إطلاق البرامج التدريبية والمبادرات المجتمعية التي تسهم في نشر الوعي والتثقيف الجنسي بأبعاده الطبية والدينية والأخلاقية.
الفضاء الافتراضي يهدد المرجعية الدينية
وفي بحث آخر، تناول الدكتور محمد إسماعيل أحمد العطيوي، مدرس الفقه العام بكلية الشريعة والقانون بطنطا – جامعة الأزهر الشريف، ظاهرة الإلحاد عبر البيئة الرقمية، من خلال بحثه «تأثير الإلحاد الرقمي على التماسك الأسري.. رؤية شرعية تأصيلية».
وأوضح الباحث أن البيئة الرقمية أصبحت مجالًا واسعًا لانتشار الأفكار والمعتقدات الإلحادية، مستفيدة من سهولة الوصول إلى المعلومات وتكوين الروابط بين أصحاب الأفكار المتشابهة عبر المواقع ومنصات التواصل الاجتماعي.
وأشار إلى أن انتشار الإلحاد الرقمي يمكن أن ينعكس على التماسك الأسري من خلال إضعاف القيم الدينية والثوابت الأخلاقية والروابط بين أفراد الأسرة، بما قد يؤدي إلى صراعات وفقدان الاستقرار النفسي والأسري.
وأكد أن خطورة الظاهرة تتزايد مع قدرتها على استقطاب فئات من الشباب في ظل ضعف الوعي الديني، والاضطرابات النفسية والاجتماعية، والانبهار بالعلم والتكنولوجيا، فضلًا عن الحاجة إلى خطاب إسلامي أكثر قدرة على مواكبة التحديات الفكرية المعاصرة.
وأوضح العطيوي أن الإلحاد في العصر الحديث لم يعد مجرد موقف فكري منعزل، وإنما قد يتحول إلى نمط حياة ينعكس على العلاقات القريبة، وفي مقدمتها العلاقة الزوجية والأسرية، لافتًا إلى أن التحول الرقمي أسهم في خلق مساحات واسعة لتداول هذه الأفكار خارج نطاق الرقابة التقليدية.
عباس شومان يحذر من «تطبيع» المصطلحات الوافدة
وفي ختام الجلسة، حذر فضيلة الأستاذ الدكتور عباس شومان، الأمين العام لهيئة كبار العلماء ورئيس الجلسة، من التعامل مع بعض المصطلحات والمفاهيم الوافدة باعتبارها حقائق أو صورًا للتقدم والانفتاح دون إخضاعها للنقاش والنقد.
وأشار إلى مصطلحات مثل «المساكنة» و«المثلية»، مؤكدًا رفض التطبيع معها باعتبارها مفاهيم غريبة عن القيم الدينية والمجتمعية، مع التأكيد على أن التعامل مع الأفكار الوافدة ينبغي أن يقوم على الوعي والنقد والدراسة.
وحول مفهوم «ما بعد الإنسانية»، قال الدكتور عباس شومان: «لا يوجد شيء اسمه ما بعد الإنسانية»، موضحًا أن التوسع في استخدام الروبوتات والتقنيات الحديثة لا يعني انتهاء الإنسانية أو تجاوز الإنسان، باعتبار أن هذه التقنيات تظل أدوات تعتمد على الإنسان وما يزودها به من معلومات ومعارف.
وشدد على ضرورة عدم التعامل مع كل فكرة جديدة باعتبارها حقيقة لمجرد ظهورها، وإنما إخضاعها للدراسة والتقييم قبل تبنيها أو الترويج لها.
المساواة بين الرجل والمرأة لا تعني إلغاء الخصوصية
وتطرق الأمين العام لهيئة كبار العلماء إلى مفهوم «المساواة بين الجنسين»، منتقدًا استخدام تعبير «المساواة في الجنس»، موضحًا أن الأدق هو الحديث عن «المساواة بين النوعين»، بما يراعي طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة ويحفظ لكل منهما مكانته وخصوصيته.
مواجهة التحديات برؤية استباقية
وتأتي هذه المناقشات ضمن أعمال المؤتمر الدولي الحادي عشر لدار الإفتاء المصرية، الذي يعقد تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، تحت عنوان «التحديات الأسرية في ظل التحولات الكبرى.. مقاربة إفتائية لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة الهوية».
ويركز المؤتمر على الانتقال من التعامل مع الأزمات الأسرية بعد وقوعها إلى تبني رؤية وقائية واستباقية، في ظل تأثيرات الذكاء الاصطناعي والانفتاح الرقمي والتحولات الفكرية والثقافية، مع التأكيد على أهمية تكامل العلوم الشرعية والاجتماعية والنفسية والتكنولوجية في حماية الأسرة وتعزيز الاستقرار المجتمعي وصيانة الهوية.








تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض







