بين الإلحاد الرقمي وعولمة القيم.. المؤتمر الدولي لدار الإفتاء يبحث سبل تحصين الأسرة
تتواصل فعاليات المؤتمر الدولي الحادي عشر لدار الإفتاء المصرية والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، لليوم الثاني على التوالي، تحت عنوان «التحديات الأسرية في ظل التحولات الكبرى: مقاربة إفتائية لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة الهوية»، حيث ناقشت الجلسة العلمية الثالثة تحديات عولمة القيم والتيارات الفكرية وانعكاساتها على الهوية الأسرية، بمشاركة نخبة من العلماء والباحثين والخبراء من مختلف دول العالم.
وتُعقد فعاليات المؤتمر برئاسة الدكتور عباس شومان، رئيس مجلس إدارة المنظمة العالمية لخريجي الأزهر والأمين العام لهيئة كبار العلماء، فيما تولى التعقيب على أعمال الجلسة الأستاذ الدكتور الشيخ أبو بكر بن زبير بن علي، مفتي تنزانيا ورئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية.
«السيولة العقدية الرقمية».. تحدٍّ جديد أمام الأسرة:
وخلال الجلسة العلمية الثالثة، التي جاءت بعنوان «عولمة القيم والتيارات الفكرية وتحديات الهوية الأسرية»، قدم الدكتور علي محمد حسن علي الأزهري، أستاذ العقيدة والفلسفة المساعد بكلية أصول الدين بالزقازيق – جامعة الأزهر، بحثًا بعنوان «السيولة العقدية الرقمية وانعكاساتها على منظومة القيم الأسرية: دراسة كلامية تأصيلية في ضوء نظرية اليقين عند الأشاعرة».
واستعرض الباحث ظاهرة «السيولة العقدية والفكرية» التي أفرزتها البيئة الرقمية الحديثة، موضحًا أنها تتمثل في حالة من الانفلات المرجعي وتذبذب اليقين، في ظل تعدد المنصات والخوارزميات وغرف الصدى الفكرية، وما يمكن أن يترتب على ذلك من آثار مباشرة على استقرار منظومة القيم داخل الأسرة المسلمة.
واعتمد البحث على المنهج المقاصدي التحليلي، من خلال استقراء الواقع الرقمي وتحليل ظواهره الفكرية وتقويمها في ضوء نظرية اليقين الأشعرية ومقاصد الشريعة، وفي مقدمتها حفظ الدين وحفظ النسل.
وخلص الدكتور الأزهري إلى أن جذور السيولة العقدية تعود في الأساس إلى أزمة معرفية قبل أن تكون مشكلة تقنية، مؤكدًا أن مواجهتها تتطلب بناء يقين برهاني راسخ لدى أفراد الأسرة، وليس مجرد يقين قائم على الإلف والعادة، مع التأكيد على أن الخطاب الديني المؤسسي يمثل أداة داعمة للتحصين العقدي وليس بديلًا عنه.
صراع بين الوافد والثوابت الوطنية:
وفي محور آخر، تناول الدكتور أحمد محمد محمد عبدالغفار، مدرس القانون المدني بقسم القانون الخاص بكلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر فرع دمنهور، في دراسته «أيديولوچيا عولمة القيم.. أزمة أنثروبولوچيا الصراع الأسري بين الثوابت والمتغيرات»، أبعاد الصراع الأسري بين تحديات الواقع وتطلعات المستقبل في إطار القانون المصري والمقارن.
وأوضح الباحث أن جوهر الإشكالية يتمثل في التنازع بين القيم العالمية الوافدة التي يروج لها القانون المعولم والمواثيق الدولية، وبين القيم الوطنية الموروثة المستمدة من الشريعة الإسلامية والتقاليد والأعراف الشرقية، باعتبارها إحدى ضمانات الأمن الاجتماعي في مواجهة التفكيك الأسري.
وأكد أن تحديات التكنولوجيا الحديثة تمس جوهر الكيان الاجتماعي المتمثل في الأسرة، مشيرًا إلى أن تبني بعض المصطلحات الدخيلة، مثل المساكنة والاقتران المثلي والأبوة والأمومة المنفردة والمساواة في الجنس، يمثل إحدى الآليات المرتبطة بأيديولوجيا عولمة القيم.
وأشار إلى أن هذه الطروحات تتعارض مع المقاصد الكبرى للشريعة الإسلامية المتعلقة بحفظ النسل وصيانة العرض وحماية الأسرة وإرساء الاستقرار الاجتماعي، مؤكدًا أن عقد الزواج في الشريعة الإسلامية يمثل ميثاقًا غليظًا تُبنى عليه الأسرة وتثبت به الحقوق وتحفظ به الأنساب.
التعليم والإعلام:
ودعا الباحث إلى إعادة صياغة المفاهيم العالمية وتوطين التعليم التوعوي القومي، مع دمج مفاهيم العولمة التي لا تتعارض مع قيم الانتماء الديني والاجتماعي والوطني.
كما أوصى بتطوير المناهج التعليمية، والتوسع في أنشطة المحاكاة للتعامل مع الإشكالات العالمية من منظور محلي، إلى جانب تطوير التعليم الرقمي ومشروعات التعليم التكنولوجي المشترك، وتأهيل الكوادر بما يتناسب مع الهوية والقيم الوطنية.
وأكد أن هذه الجهود يمكن أن تسهم في إعداد جيل قادر على الانفتاح على العالم بشخصية واثقة، تتقبل التنوع الثقافي دون الوقوع في التبعية الفكرية.
الأسرة بين الإسلام والغرب:
واستكمل الدكتور أحمد محمد عبيد موسى، مدرس أصول التربية بكلية التربية بنين بالقاهرة – جامعة الأزهر، مناقشات الجلسة من خلال دراسته «أنماط الأسرة بين الإسلام والغرب في ظل التحديات المعاصرة.. دراسة مقارنة»، التي تناولت الصراع حول فرض بعض الأنماط الأسرية على المجتمعات الإسلامية.
وقارن الباحث بين الأنماط الأسرية السائدة في المجتمعات العربية والإسلامية والغربية، موضحًا الأسس الفكرية والقيمية التي يقوم عليها كل نموذج، إلى جانب تحليل الآثار الاجتماعية والتربوية المترتبة على انتشار هذه الأنماط في ظل التحولات الثقافية والعولمة.
وأبرز الدكتور موسى مكانة الأسرة في الإسلام باعتبارها النواة الأساسية لبناء المجتمع، موضحًا أن انتقال بعض الأنماط الغربية إلى المجتمعات الإسلامية يمثل أحد التحديات التي تستدعي تعزيز الوعي الأسري وصيانة الهوية الإسلامية.
وخلص إلى أن الأسرة في الإسلام قامت على منظومة متكاملة من الحقوق والواجبات التي أسهمت في دعم الاستقرار والتماسك، بينما أفرزت بعض الأنماط الغربية تحديات مرتبطة بتراجع الزواج باعتباره أساس الأسرة، وما قد يترتب على ذلك من ارتفاع معدلات التفكك الاجتماعي.
وأوصى بتعزيز الوعي بالقيم الأسرية الإسلامية، والتحذير من الأنماط التي تتعارض معها، إلى جانب تطوير الخطاب الإعلامي الداعم للأسرة وإجراء المزيد من الدراسات الميدانية لرصد تأثير التحديات المعاصرة على بنية الأسرة العربية والإسلامية.
تحصين الناشئة يبدأ من الداخل:
ومن جانبه، ناقش المؤتمر الدولي الحادي عشر لدار الإفتاء المصرية أحد أبرز التحديات الفكرية المرتبطة بالبيئة الرقمية، من خلال دراسة للدكتورة حكيمة شامي، الباحثة المغربية بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، حول تأثير الخطاب الإلحادي في التماسك الأسري.
وكشفت الدراسة، التي حملت عنوان «الإلحاد في البيئة الرقمية وتأثيره في التماسك الأسري: دراسة مقارنة بين منهج التأديب الإيماني الكلاسيكي وتحديات الفضاء الرقمي المعاصر»، أن تصاعد الخطاب الإلحادي عبر البيئة الرقمية يمثل تحديًا متزايدًا أمام الأسرة المسلمة، لما قد يتركه من آثار على العلاقة بين الآباء والأبناء وعلى الدور التربوي والإيماني للأسرة.
وأكدت الدكتورة حكيمة أن مواجهة الخطاب الإلحادي لا ينبغي أن تقوم على الزجر والقمع، وإنما على بناء منهج تربوي إيماني يقوم على الرفق والصبر والقدوة واستحضار مراقبة الله، باعتبارها أدوات أساسية لبناء الحصانة الداخلية لدى الناشئة.
وأوضحت أن الدراسة تقارن بين منهج تربوي إيماني كلاسيكي يهدف إلى بناء الحصانة الداخلية لدى الأبناء، وبين واقع رقمي مفتوح ولا مركزي تتدفق من خلاله الخطابات الإلحادية والشبهات عبر الخوارزميات ومنصات التواصل، بما يتجاوز حدود الرقابة التقليدية.
تحصين الأسرة في مواجهة عالم رقمي متغير:
وتؤكد محاور المؤتمر الدولي الحادي عشر لدار الإفتاء المصرية أن حماية الأسرة لم تعد مرتبطة بالتعامل مع المشكلات بعد وقوعها فقط، وإنما تتطلب بناء منظومة وقائية قادرة على مواجهة التحولات الفكرية والاجتماعية والتكنولوجية المتسارعة.
كما تبرز المناقشات أهمية تكامل أدوار الأسرة والمؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية، بما يضمن بناء وعي يحافظ على الهوية والقيم، ويمنح الأجيال الجديدة أدوات فكرية وإيمانية تساعدها على التعامل الواعي مع الانفتاح الرقمي والثقافي.









تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض

