هل الزواج يجعل أموال الزوجين مشتركة؟.. دار الإفتاء توضح
استقلال الذمة المالية بين الزوجين من المسائل التي تثير تساؤلات عديدة، خاصة فيما يتعلق بملكية الأموال والراتب والعقارات والميراث، وما إذا كان عقد الزواج يؤدي إلى اشتراك الزوجين في أموالهما تلقائيًا.
وأوضحت دار الإفتاء المصرية، أن لكل واحد من الزوجين ذمة مالية مستقلة تمامًا عن الآخر، مؤكدة أن الزواج لا يؤدي بمجرده إلى اختلاط أموال الزوج والزوجة أو انتقال ملكية أحدهما إلى الآخر.
لكل من الزوجين ذمة مالية مستقلة
جاء ذلك في فتوى للدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، حملت رقم 9031، ردًّا على سؤال حول حكم الشرع الشريف في استقلال الذمة المالية بين الزوجين.
وأكدت دار الإفتاء أن لكل واحد من الزوجين ذمة مالية مستقلة استقلالًا تامًّا عن الآخر، وتشمل هذه الذمة جميع أمواله، سواء كانت أموالًا سائلة أو عقارات أو أسهمًا أو غير ذلك من صور المال.
وتظل الملكية الخاصة لكل من الزوجين ثابتة ومصونة، ولا تتأثر بمجرد قيام عقد الزواج بينهما، ولا يثبت لأحدهما بسبب الزواج حق في مال الآخر إلا ما رتبه الشرع أو ما اتفقا عليه في الحدود المعتبرة شرعًا.
ما موقف الشرع من أموال الزوجة؟
وأوضحت دار الإفتاء أن نظام أموال الزوجين في الإسلام يقوم على استقلال ذمة كل منهما ماليًا عن الآخر، فالزوجة لها أهليتها الكاملة في التعاقد والتملك، كما أن لها الحق في تحمل الالتزامات وإجراء مختلف العقود، مع احتفاظها بحقها في التملك بصورة مستقلة عن زوجها.
ويستند هذا الأصل إلى ما قررته الشريعة الإسلامية من اختصاص كل إنسان بما يثبت له من الأموال، سواء كان هذا المال ناشئًا عن سعيه وكسبه، أم آل إليه بسبب من أسباب الملك المعتبرة شرعًا، مثل الهبة والإرث وغيرهما.
واستشهدت دار الإفتاء بقول الله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ [النساء: 32].
الميراث يؤكد استقلال الملكية
ومن أبرز التطبيقات التي تدل على هذا الأصل، بحسب دار الإفتاء، نظام الميراث؛ فقد جعل الله تعالى لكل فرد نصيبًا معلومًا ومفروضًا، يثبت له على وجه الاختصاص ويدخل في ملكه وذمته المالية استقلالًا.
ولا يؤدي اجتماع الورثة في سبب الإرث، أو وجود رابطة النسب أو القرابة أو المصاهرة بينهم، إلى اختلاط أنصبتهم أو اندماج حقوقهم المالية، بل يستقل كل وارث بنصيبه الشرعي استقلالًا تامًا.
ويثبت لكل وارث من سلطة الملك ما يثبت لكل مالك في ملكه، ولا يشاركه غيره فيه إلا بسبب شرعي جديد ناقل للملكية.
ونقل الإمام أبو السعود في كتابه «إرشاد العقل السليم» أن لكل من الرجال والنساء في الميراث نصيبًا معين المقدار مما أصابه بحسب استحقاقه، بما يؤكد اختصاص كل منهما بنصيبه وعدم تجاوزه إلى غيره.
كما جاء في «التفسير الوسيط» لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد سيد طنطاوي، شيخ الأزهر ومفتي الديار المصرية الأسبق، أن لكل من الرجال والنساء حظًا مقدرًا مما اكتسبوه من أعمال، ونصيبًا معينًا فيما ورثوه أو أصابوه من أموال.
المهر دليل على استقلال الذمة المالية للزوجة
وأكدت دار الإفتاء أن من الأمور التي تؤكد استقلال الذمة المالية بين الزوجين ما قرره الفقهاء في أحكام الصداق.
فمتى ثبت المهر للزوجة ودخل في ملكها، أصبح حقًا ماليًا خالصًا لها، ولا يملك الزوج إسقاطه بغير رضاها.
وأوضحت الفتوى أنه لو كانت الذمة المالية للزوجين واحدة، أو كان عقد الزواج يقتضي اندماج أموالهما، لما توقف إسقاط الصداق أو العفو عنه كليًا أو جزئيًا على إرادة الزوجة وموافقتها، وهو ما يدل على انفرادها بملكيته.
قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: 4].
وقال الإمام ابن قدامة في «المغني»: إن المرأة إذا عفت عن صداقها الذي لها على زوجها، أو عن بعضه، أو وهبته له بعد قبضه وكانت جائزة الأمر في مالها، جاز ذلك وصح.
السنة النبوية تؤكد استقلال ملكية المال
وجاءت السنة النبوية مؤكدة لمعاني استقلال الملكية المالية، فعن حبان بن أبي جبلة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
«كُلُّ أَحَدٍ أَحَقُّ بِمَالِهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ».
وأخرجه الإمامان الدارقطني والبيهقي في «السنن الصغرى» و«السنن الكبرى».
ويؤكد الحديث، في سياق الفتوى، أصل اختصاص الإنسان بماله وعدم انتقال ملكيته إلى غيره لمجرد وجود رابطة أسرية أو زوجية.
لا سلطان للزوج على مال زوجته
وأشارت دار الإفتاء إلى أن هذا الأصل لم يقتصر على كتب الفقه، وإنما صدر به أيضًا قرار المجمع الفقهي الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي، رقم 144 (2/16)، خلال دورته السادسة عشرة المنعقدة في دبي خلال الفترة من 30 صفر 1426هـ الموافق 9 أبريل 2005م، إلى 5 ربيع الأول 1426هـ الموافق 14 أبريل 2005م.
ونص القرار على أن للزوجة الأهلية الكاملة والذمة المالية المستقلة التامة، ولها الحق، في إطار أحكام الشرع، فيما تكسبه من عملها، كما أن لها ثرواتها الخاصة وحق التملك وحق التصرف فيما تملك.
كما أكد القرار أنه لا سلطان للزوج على مال زوجته، ولا تحتاج إلى إذنه في التملك والتصرف بمالها.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض

