رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

عبدالملك

 

 

حين نسمع عبارة «وزارة الثقافة»، يتبادر إلى الذهن وزير أو وزيرة وموظفون وميزانية تُوزَّع على المسارح والمتاحف والكتب. غير أن الثقافة أوسع من وزارة؛ فهى الطريقة التى ترى بها الأمة نفسها، وتحفظ ذاكرتها، وتروى قصتها للآخرين. لذلك تختلف الولايات المتحدة وكندا وفرنسا ومصر فى إدارتها باختلاف تاريخ كل مجتمع وفلسفته السياسية.

لا توجد فى الولايات المتحدة وزارة اتحادية مستقلة للثقافة. فهناك مؤسسات عامة، أبرزها «الوقف الوطنى للفنون»، الذى أُنشئ سنة 1965 وكالةً اتحادية مستقلة، إلى جانب الجامعات والمتاحف والمؤسسات الخيرية والشركات وأسواق النشر والترفيه. ويمنح هذا النموذج الفنان حرية واسعة، ويحدّ من هيمنة الدولة، لكنه قد يجعل الثقافة أسيرة السوق؛ فما يجذب الجمهور والمعلنين يجد التمويل، بينما تُترك الفنون الجادة وثقافات الجماعات الصغيرة تبحث عن راعٍ.

أما كندا فلديها «وزارة التراث الكندي»، وهى أقرب إلى وزارة للهوية الثقافية منها إلى جهاز لإنتاج الثقافة. فهى تدعم الفنون واللغتين الرسميتين، ولغات الشعوب الأصلية وثقافاتها، والتعددية الثقافية، مع إبقاء مسافة بين السياسى والمبدع. وفى بلد شاسع متعدد الأعراق واللغات، ومجاور لقوة ثقافية كالولايات المتحدة، يصبح دعم الإنتاج المحلى ضرورة لحماية الصوت الكندى من الذوبان.

وفى فرنسا نجد أوضح نماذج مركزية الدولة الثقافية. فمنذ إنشاء وزارة الثقافة سنة 1959، ارتبطت مهمتها بإتاحة الأعمال الكبرى للجمهور، وحماية التراث، وتشجيع الإبداع. وأسهم هذا النموذج فى نشر المتاحف والمسارح والمكتبات، والدفاع عن اللغة الفرنسية والسينما والكتاب فى مواجهة السوق. غير أن قوة المركز قد تنقلب بيروقراطية، فيصبح رضا اللجان الرسمية، لا حكم الجمهور والزمن، بوابةً إلى المنح والاعتراف.

أما فى مصر، فوزارة الثقافة ليست ترفًا إداريًا؛ إذ ترعى شبكة من قصور الثقافة والمسارح والمتاحف والمكتبات وهيئات الكتاب والفنون والتراث. وفى بلد ذى ذاكرة ممتدة وفجوات اقتصادية وتعليمية واسعة، لا يستطيع السوق وحده إيصال الكتاب والفن إلى القرية والمدينة البعيدة. لكن الخلل يبدأ حين يُنفق على المبانى والاحتفالات أكثر مما يُنفق على المبدع والقارئ، أو حين تبقى الثقافة فى العاصمة ولا تبلغ الأطراف.

أى النماذج أفضل؟ النموذج الأمريكى ملائم لمجتمع يملك سوقًا ثقافية ضخمة وتمويلًا أهليًا قويًا، والفرنسى فعّال فى حماية التراث وجعل الثقافة حقًا عامًا. لكن النموذج الكندى يبدو أكثر توازنًا: تمويل عام بلا وصاية ثقيلة، وحماية للهوية من غير فرض هوية واحدة، وإقرار بأن الوطن يستطيع أن يتكلم بأكثر من لغة وصوت.

والأنسب لمصر ليس استنساخ نموذج كامل، بل الجمع بين قوة الرعاية الفرنسية ومرونة التجربة الكندية: وزارة تموّل ولا تُملى، تحمى التراث ولا تحبس الحاضر داخله، وتنصف الأقاليم، وتترك الإدارة للمتخصصين. فالدولة لا ينبغى أن تكون مؤلف الكتاب أو مخرج المسرحية، بل أن تضمن وجود المكتبة والمسرح والقارئ والحرية. عندئذ لا تبقى وزارة الثقافة مخزنًا للآثار، بل تصبح ورشةً لصناعة المستقبل.