هوامش
لا نملك إلا أن نُثنى على ما أعلنته وزارة الصحة بشأن إصدار مليون و44 ألفًا و845 قرار علاج على نفقة الدولة خلال الفترة من أول يناير وحتى نهاية مارس 2026، بتكلفة إجمالية بلغت 8 مليارات و512 مليونًا و756 ألف جنيه.
هذه أرقام ضخمة تعكس حجم الجهد المبذول لمساندة ملايين المصريين من محدودى الدخل، وتؤكد أن الدولة تتحمل أعباء مالية كبيرة لتوفير العلاج لمن لا يملكون تكلفته. ومن ثم، فإن الحديث عن أوجه القصور فى المنظومة لا يعنى بأى حال من الأحوال إنكار هذه الجهود، ولا التقليل من دور وزير الصحة، أو مسئولى المجالس الطبية المتخصصة، أو الأطباء والعاملين الذين يعملون داخل هذه المنظومة.
لكن الإنجاز لا يمنع النقد.. والنقد هنا ليس ترفًا، لأن الأمر يتعلق بحياة بشر.
المشكلة التى تستحق التوقف أمامها هى بطء الإجراءات والروتين وتعقيدات الدورة المستندية، وما يرتبط بها من أعطال أو تأخير فى المنظومة الإلكترونية التى يفترض أن تكون وسيلة لتسهيل حصول المريض على حقه، لا بابًا جديدًا لمعاناته.
فماذا يعنى أن يذهب المريض إلى المستشفى ليسأل عن قرار علاجه، فيُقال له: الأوراق لم تُرفع على السيستم بعد؟
وماذا يعنى أن يعود مرة أخرى فيُقال له إن هناك مستندًا ناقصًا؟ ثم يعود للمرة الثالثة لاستكماله؟ ثم ينتظر رفع الأوراق، ثم مراجعتها، ثم اعتماد القرار؟
المريض هنا لا يتعامل مع معاملة إدارية يمكن أن تنتظر. إنه يتعامل مع مرض قد لا ينتظر ساعة واحدة.
ولعل أخطر ما فى الأمر أن «السيستم» أصبح فى بعض الحالات شماعة جاهزة لكل تأخير: النظام متعطل، الأوراق لم تُرفع، المستندات تحتاج إلى استكمال، أعد رفع الأوراق مرة أخرى!
فى القطاعات الخدمية الأخرى، قد يعنى تعطل النظام تأجيل مصلحة أو ضياع وقت أو زيادة تكلفة. أما فى القطاع الصحى، فإن التأخير قد يعنى تفاقم المرض، وضياع فرصة للعلاج، وربما فقدان حياة إنسان.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا: هل صُممت منظومة العلاج على نفقة الدولة بما يتناسب مع طبيعة الحالات المرضية، أم أنها ما زالت تتعامل مع جميع الملفات بالمنطق الإدارى نفسه؟
مريض السرطان، على سبيل المثال، لا يستطيع أن يطلب من المرض أن يمنحه مهلة حتى تنتهى دورة الأوراق. فالمرض يتقدم، والخلايا لا تنتظر توقيعًا أو اعتمادًا أو رفع مستند على «السيستم».
ومن هنا فإن الحالات الحرجة، وعلى رأسها الأورام والأمراض التى يمثل التأخير فى علاجها خطرًا مباشرًا على حياة المريض، تحتاج إلى مسار عاجل واستثنائى داخل منظومة العلاج على نفقة الدولة، تكون الأولوية فيه للخطورة الطبية، لا لترتيب الأوراق على المكاتب والشاشات.
ولنأخذ مثالًا من واقع المرضى الذين يترددون على مستشفى «جوستاف روسي»، المعروف سابقًا باسم معهد «هرمل»، حيث يأتى المرضى من محافظات مختلفة، بعضهم فى حالة صحية لا تسمح بكثرة الانتقال والسفر، لمتابعة إجراءات العلاج واستكمال الأوراق وانتظار صدور القرار.
المريض قد يقطع مئات الكيلومترات، ويتحمل نفقات السفر والإقامة، ثم يعود دون أن يحصل على ما جاء من أجله، فقط لأنه ينتظر استكمال إجراء أو رفع مستند أو صدور قرار.
وهنا تتحول رحلة العلاج إلى رحلة عذاب.
والأشد قسوة أن المريض لا يعرف: هل سينتصر القرار على الوقت، أم سينتصر المرض على الاثنين؟
نحن لا نشكك فى منظومة العلاج على نفقة الدولة، ولا ننكر أنها تخدم أعدادًا هائلة من المواطنين، ولا نطالب بإلغاء الإجراءات الرقابية التى تحمى المال العام من إساءة الاستخدام.
لكن الرقابة شيء.. وتعطيل العلاج شيء آخر. والحل فى تطوير «السيستم»، وإعادة تصميمه بحيث لا يصبح عطل تقنى أو نقص ورقة سببًا فى تعطيل حق مريض فى العلاج.
نحتاج إلى منظومة تعرف أن هناك فرقًا بين مريض يستطيع الانتظار ومريض كل ساعة تأخير قد تكون فارقة فى حياته.
نحتاج إلى خط عاجل للحالات الحرجة، ونظام إنذار ومتابعة للملفات المتأخرة، ومسئولية واضحة عن كل مرحلة من مراحل إصدار القرار، وإمكانية تتبع الملف إلكترونيًا بحيث لا يظل المريض وأسـرته فى حالة مطاردة دائمة للمستشفى والمكاتب والموظفين.
كما نحتاج إلى مراجعة حقيقية للملفات التى تتكرر فيها الشكاوى من التأخير، لمعرفة أين تتعطل الدورة: عند المستشفى؟ أم فى رفع الأوراق؟ أم فى المراجعة؟ أم فى اعتماد القرار؟
وزارة الصحة تبذل جهدًا، والأرقام التى أعلنتها الوزارة تستحق الإشارة والتقدير، لكن نجاح أى منظومة صحية لا يقاس فقط بعدد القرارات التى صدرت، وإنما أيضًا بسرعة وصول القرار إلى المريض فى الوقت الذى يكون فيه القرار ذا قيمة حقيقية.
فما قيمة قرار علاج يصل بعد فوات موعد العلاج؟، وما قيمة قرار يصل بعد أن يكون المرض قد انتشر؟، وما قيمة ورقة تحمل توقيعًا وأختامًا إذا كان صاحبها قد فقد القدرة على الاستفادة منها؟
العلاج حق.. والوقت فى بعض الأمراض جزء من العلاج. ولهذا فإن المطلوب ليس هدم المنظومة، وإنما إنقاذها من البيروقراطية، وتحريرها من أعذار «السيستم»، ووضع حياة المريض فى مقدمة أولوياتها.
فالمال العام يجب أن يُحمى، والإجراءات يجب أن تُراجع، لكن حياة المصريين يجب أن تكون هى الخط الأحمر الذى لا يسمح لأى نظام إلكترونى أو ورقة ناقصة أو إجراء إدارى بتجاوزه.
المريض لا يطلب معجزة..إنه فقط يطلب ألا يسبقه القرار إلى المقبرة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض