رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

زاوية حرة

يستيقظ الإنسان كل صباح على سيلٍ لا ينقطع من الأخبار والمعلومات، بعضها صحيح، وآخر مفبرك أو مضلل، وبين هذا الزخم لم يعد كثيرون يتوقفون للتحقق مما يقرأون أو يشاهدون، فهناك من يدقق ويبحث عن الحقيقة، بينما تضغط الغالبية العظمى زرَّ المشاركة دون أن تدرك خطورة ما تنشره، ومع هذا التدفق المستمر، يتسلل شعورٌ خادع بأننا أصبحنا أكثر معرفةً بالعالم، بينما الحقيقة أن كثرة المعلومات لا تعني اتساع الفهم، فالعبرة ليست بكمِّ ما نعرف، ولكن في حقيقة الأمر بقدرتنا على إدراكه وتحليله ووضعه في سياقه الصحيح.

قبل أيام أرسل إليَّ أحد الأشخاص خبرًا عن واقعة معينة، وكان يؤكد بكل ثقة أنه صحيح، وبعد العودة إلى المصادر الرسمية، اكتشفت أن جزءًا كبيرًا مما تم تداوله لا يمتُّ إلى الحقيقة بصلة، وأن معلوماتٍ مغلوطة صيغت بطريقة جعلت البعض يتعامل معها وكأنها أمرٌ واقع، وعندما أخبرته بالحقيقة، شكرني بشدة، وقال إنه سيحرص على مراجعة المصادر قبل تصديق أي خبر أو نشره، بعدما أدرك أن ما يصل إلينا عبر الشاشات ليس دائمًا الحقيقة الكاملة.

إذا عدنا إلى سنواتٍ مضت، سنجد أن الوصول إلى المعلومة الصحيحة كان يحتاج إلى جهدٍ وبحث، أما اليوم فقد أصبح الخبر يصل إلينا في لحظته، والطامة الكبرى أن بعض المنصات تتسابق إلى نشر التوقعات قبل وقوع الأحداث، حتى يتعامل معها البعض وكأنها حقائق مكتملة، لذلك لم يعد السؤال: ماذا حدث؟، وإنما لماذا حدث؟، ومن المستفيد؟، وما الذي قد يترتب عليه؟ فهذه الأسئلة هي التي تصنع الفارق بين متلقٍّ يستهلك المعلومات، وآخر يسعى إلى فهمها وتحليلها.

لقد غيَّرت وسائل التواصل الاجتماعي علاقتنا بالمعلومة، فلم تعد تمنحنا وقتًا للتأمل، وأصبح عنوانٌ مثير أو مقطعٌ قصير كافيًا لصناعة موقف، رغم أنه قد يكون جزءًا مبتورًا من الحقيقة، ومع الخوارزميات التي تعرض لكل شخص ما يوافق اهتماماته وقناعاته، تتشكل فقاعات فكرية تجعل الإنسان يظن أن ما يراه يمثل العالم كله، بينما الواقع أكثر اتساعًا وتعقيدًا، فيضيق مجال الحوار، وتتراجع القدرة على تقبُّل الرأي الآخر.

بصراحة أصبحت معركة الوعي واحدةً من أخطر صراعات هذا العصر، فلم تعد القوة ينظر إليها بما تمتلكه الدول من جيوشٍ وسلاحٍ فقط، فالقدرة على تشكيل العقول، وصناعة الروايات، وتوجيه الرأي العام، أصبحت عنصرًا مؤثرًا في موازين النفوذ، وتحولت المعلومة إلى أداة لبناء الإدراك أو تشويهه، لذلك باتت الكلمة والصورة سلاحين لا يقلان تأثيرًا عن الأسلحة التقليدية.

ولا تقف المسؤولية عند منصات التواصل وحدها، فالإعلام المصري أيضًا يتحمل جانبًا مهمًا عندما يستبدل التفسير بالإثارة، ويجعل عدد المشاهدات معيارًا للنجاح، فالإعلام الحقيقي لا يكتفي بنقل الخبر، ويجب أن يضعه في سياقه، ويكشف خلفياته، ويمنح القارئ فرصةً للفهم قبل إصدار الأحكام.

أما المواطن، فلم يعد مجرد متلقٍّ، وأصبح شريكًا في صناعة الرأي العام، ومسؤولًا عما يصدق وينشر، لذلك لا يكفي أن يقرأ وحسب، وأصبح إلزاميًا عليه أن يتحقق، ويقارن بين المصادر، ويمنح عقله فرصةً للتساؤل قبل أن يثق في أي رواية والسلام، لأن العقل الذي يتوقف عن السؤال يصبح هدفًا سهلًا للتضليل.


خلاصة القول، لسنا في حاجة إلى مزيدٍ من المحتوى المضلل، فالأخبار الزائفة تتدفق بلا انقطاع، وما نفتقده حقًا هو القدرة على الفهم، أن نقرأ ما وراء العناوين، ونضع كل حدث في سياقه، ونميز بين الحقيقة والكذب، ففي زمننا هذا يظل الوعي هو الثروة التي لا تقدر بمال، ويبقى العقل الناقد الحارس الأخير للحقيقة.