رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

زاوية حرة

خذ نفسًا عميقًا الآن وتعال معي إلى الشرفة، وانظر إلى العالم، ماذا ترى؟ لن تسمع سوى أزيز الصواريخ، ولن ترى إلا الدخان يتصاعد من أكثر من جبهة، عندها يفرض السؤال نفسه: إلى أين تُقاد هذه المنطقة؟ ومن المستفيد من أن تتحول إلى ساحة مفتوحة للحروب؟ وماذا تفعل الدول للحفاظ على أمنها القومي دون الانزلاق إلى حروب عبثية، ترعاها أمريكا لضمان ترجيح كفة التفوق العسكري الإسرائيلي في الإقليم، كما توفر الغطاء السياسي والعسكري لاستمرار هذه المواجهات، فيما تتحمل شعوب المنطقة الكلفة الأكبر من أمنها واقتصادها واستقرارها.

وفي خضم عملية الكر والفر التي تشهدها المنطقة، والحراك المتسارع الذي ينذر بانفجار إقليمي واسع، لا تتصور أن كل الحروب تُخاض من أجل الأمن، فهناك من يربح من استمرار النزاعات، ومن يزدهر اقتصاده كلما اشتعلت جبهة جديدة، حتى أصبحت المنطقة بالنسبة للبعض سوقًا مفتوحة للسلاح، وحقلًا لتصفية الحسابات الدولية، بينما يبقى المواطن العربي هو الخاسر الأكبر، يدفع الثمن من أمنه واقتصاده ومستقبل أبنائه، في وقت تتضاعف فيه كلفة الصراع على الجميع.

وقد يظن البعض أن اغتيال قائد هنا، أو قصف منشأة هناك، كفيل بإنهاء الصراع، لكن التاريخ يقول غير ذلك، فمن يقرأ ما جرى في أفغانستان والعراق ولبنان وغزة يدرك أن القوة العسكرية قد تغير شكل المعركة، لكنها نادرًا ما تُنهي أسبابها، وكثيرًا ما تؤدي إلى فتح جبهات جديدة للقتال، وتوليد موجات متتالية من العنف، وتدفع المنطقة إلى دوائر متجددة من عدم الاستقرار، لا يستطيع أحد أن يتنبأ بموعد نهايتها أو حجم خسائرها.

ومن يتصور أن إيران ستقف مكتوفة الأيدي بعد استهداف قادتها ومنشآتها موقف المتفرج، فهو لا يقرأ طبيعة الدولة الإيرانية ولا عقيدتها السياسية والعسكرية، فإيران الآن، كما يقول المثل الدارج، "قطعت البطاقة"، وترى نفسها في معركة وجود، ولا تتعامل بمنطق رد الفعل الآني، وإنما بمنطق النفس الطويل، وقدرة الاحتمال، وانتظار اللحظة المناسبة للرد، وهو ما يجعل أي قراءة للمشهد بعيدة عن هذه الحقيقة قراءة ناقصة لا تستوعب طبيعة الصراع وتعقيداته.

السطور السابقة محاولة لفهم ما يجري بعيدًا عن تسطيح القضية في الفضاء  الإعلامي، فالجميع يتحدث عن الصواريخ، بينما القليل فقط يتحدث عن المشروع الذي يقف خلفها، وهنا أصل إلى السؤال الأهم: ماذا تريد إسرائيل من كل هذه الحروب؟ هل كانت غزة هدفًا في حد ذاتها؟ وهل كان التصعيد في لبنان مجرد رد على هجمات حزب الله؟ وهل الصدام مع إيران لا يتجاوز الملف النووي؟ أم أن الصورة أكبر وأعمق بكثير؟.

من يتابع مسار الأحداث منذ اندلاع الحرب في غزة يكتشف أن إسرائيل تتحرك وفق رؤية تتجاوز المعركة الحالية، فهي بدأت بتدمير القدرات العسكرية في غزة، ثم وسعت دائرة الاشتباك إلى لبنان لإضعاف حزب الله، ثم انتقلت إلى المواجهة المباشرة مع إيران، في محاولة لتقليص نفوذها العسكري والإقليمي، وكأن الهدف النهائي ليس كسب حرب بعينها، ولكن إعادة تشكيل خريطة القوة في الشرق الأوسط، بحيث لا تبقى في الإقليم قوة تمتلك القدرة على تهديد تفوقها العسكري، أو التأثير في موازين الردع مستقبلاً.

وتدرك إسرائيل من منظورها الأمني، أن أمنها لا يتحقق بمجرد وقف إطلاق النار، بل بإزالة مصادر التهديد واحدة تلو الأخرى، لذلك فهي لا تتحدث فقط عن منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وتسعى في نفس التوقيت أيضًا إلى تقليص برنامجها الصاروخي، وإضعاف نفوذها الإقليمي، وتجريدها من أدوات الردع التي بنتها على مدار عقود، وبالمنطق نفسه سعت إلى إنهاك حركة حماس في غزة، وإضعاف حزب الله في لبنان، لأنها تنظر إلى أي قوة إقليمية قادرة على تغيير ميزان الردع باعتبارها تحديًا استراتيجيًا ينبغي احتواؤه.

لكن التاريخ يعلمنا أن إعادة رسم خرائط الشرق الأوسط بالقوة العسكرية لم تنجح يومًا كما خُطط لها، فمن العراق إلى أفغانستان، ومن لبنان إلى غزة، كانت النتائج دائمًا أكثر تعقيدًا مما توقعه أصحاب القرار، فالحروب بالطبع تبدأ بقرار سياسي، لكنها لا تنتهي دائمًا بإرادة من أشعلها، وغالبًا ما تفرز واقعًا جديدًا يختلف تمامًا عما كان مخططًا له عند إطلاق الرصاصة الأولى.

ومن هنا، فإن المنطقة أصبحت أمام مفترق طرق حقيقي، فإما أن تستمر دوامة الاستنزاف، وإما أن تدرك الدول العربية أن ما يحدث لم يعد يخص دولة بعينها، ويمس الأمن القومي العربي بأكمله، وهنا أتذكر الرؤية الثاقبة التي طرحها الرئيس عبد الفتاح السيسي عام 2015 بشأن إنشاء قوة عربية مشتركة، باعتبارها آلية لحماية الأمن القومي العربي في مواجهة الأخطار غير التقليدية، وهي فكرة ربما لم تجد طريقها إلى التنفيذ، لكنها تبدو اليوم أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.

لقد أثبتت التجارب أن النار لا تقف عند حدود دولة، وأن من يعتقد أنه بمنأى عن الحروب يكتشف متأخرًا أنه يدفع ثمنها في اقتصاده، وأمنه، واستقرار مجتمعه، فارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب التجارة، وتراجع الاستثمارات، ليست سوى وجوه أخرى للصراع العسكري، وما لم تتكاتف دول المنطقة في حماية مصالحها، فإن فاتورة المستقبل ستكون أكثر قسوة من كلفة الحاضر.

العالم اليوم يقف بالفعل على فوهة بركان، ولا أحد يستطيع أن يجزم أين ستكون الشرارة التالية، أو من سيعلن النصر، أو بأي ثمن سيكون هذا النصر، فالجبهات أصبحت مفتوحة، والتحالفات قابلة للتبدل، والمفاجآت هي السمة الأبرز لهذه المرحلة، وما يبدو اليوم انتصارًا عسكريًا قد يتحول غدًا إلى عبء سياسي واستراتيجي يغير موازين المنطقة بأكملها.

والآن رسالتي إلى الأشقاء، فهي أن الخطر حين يقترب لا يفرق بين حدود وأخرى، وأن التنسيق العربي أصبح ضرورة وجودية تفرضها طبيعة المرحلة، وأما رسالتي إلى إسرائيل، فهي أن التاريخ لا يُكتب بالقوة وحدها، وأن كل مشروع قام على فرض الإرادة العسكرية واجه عاجلًا أو آجلًا، حدود القوة وحقائق الجغرافيا وإرادة الشعوب، فالمنطقة ليست صفحة بيضاء تُعاد صياغتها كما يشاء الآخرون، ومن يظن أن السلاح وحده قادر على صناعة شرق أوسط جديد، فعليه أن يراجع دروس التاريخ جيدًا.